الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم

فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا

طوي هنا وصف العثور عليهم ، وذكر عودهم إلى الكهف ; لعدم تعلق الغرض بذكره ، إذ ليس موضع عبرة ; لأن المصير إلى مرقدهم وطرو الموت عليهم شأن معتاد لكل حي .

وتفريع " فقالوا " على " يتنازعون " .

وإنما ارتأوا أن يبنوا عليهم بنيانا ; لأنهم خشوا عليهم من تردد الزائرين غير المتأدبين ، فلعلهم أن يؤذوا أجسادهم وثيابهم باللمس والتقليب ، فأرادوا أن يبنوا عليهم بناء يمكن غلق بابه وحراسته .

وجملة ربهم أعلم بهم يجوز أن تكون من حكاية كلام الذين قالوا : ابنوا عليهم بنيانا ، والمعنى : ربهم أعلم بشئونهم التي تنازعنا فيها ، فهذا تنهية للتنازع في أمرهم ، ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله تعالى في أثناء حكاية تنازع الذين أعثروا عليهم ، أي : رب أهل الكهف أو رب المتنازعين في أمرهم أعلم منهم بواقع ما تنازعوا فيه .

[ ص: 290 ] والذين غلبوا على أمرهم ولاة الأمور بالمدينة ، فضمير " أمرهم " يعود إلى ما عاد إليه ضمير " فقالوا " ، أي اللذين غلبوا على أمر القائلين : ابنوا عليهم بنيانا .

وإنما رأوا أن يكون البناء مسجدا ليكون إكراما لهم ، ويدوم تعهد الناس كهفهم ، وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى ، ونهى عنه النبيء صلى الله عليه وسلم كما في الحديث يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها : ولولا ذلك لأبرز قبره ، أي لأبرز في المسجد النبوي ، ولم يجعل وراء جدار الحجرة .

واتخاذ المساجد على القبور ، والصلاة فيها منهي عنه ; لأن ذلك ذريعة إلى عبادة صاحب القبر أو شبيه بفعل من يعبدون صالحي ملتهم ، وإنما كانت الذريعة مخصوصة بالأموات ; لأن ما يعرض لأصحابهم من الأسف على فقدانهم يبعثهم على الإفراط فيما يحسبون أنه إكرام لهم بعد موتهم ، ثم يتناسى الأمر ، ويظن الناس أن ذلك لخاصية في ذلك الميت ، وكان بناء المساجد على القبور سنة لأهل النصرانية ، فإن كان شرعا لهم فقد نسخه الإسلام ، وإن كان بدعة منهم في دينهم فأجدر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث