الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين

فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين .

فرع على وصف حال من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ، ما يدل على حال ضده وهم الذين لم يشرح الله صدورهم للإسلام فكانت لقلوبهم قساوة فطروا عليها فلا تسلك دعوة الخير إلى قلوبهم .

وأجمل سوء حالهم بما تدل عليه كلمة " ويل " من بلوغهم أقصى غايات الشقاوة والتعاسة ، وهذا تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة البقرة .

والقاسي : المتصف بالقساوة في الحال ، وحقيقة القساوة : الغلظ والصلابة في الأجسام ، وقد تقدمت عند قوله تعالى فهي كالحجارة أو أشد قسوة وقسوة القلب : مستعارة لقلة تأثر العقل بما يسدى إلى صاحبه من المواعظ ونحوها ، ويقابل هذه الاستعارة استعارة اللين لسرعة التأثر بالنصائح ونحوها ، كما سيأتي في قوله تعالى ثم تلين جلودهم .

و " من " في قوله " من ذكر الله " يجوز أن تكون بمعنى ( عن ) بتضمين " القاسية " معنى : المعرضة والنافرة ، وقد عد مرادف معنى ( عن ) من معاني ( من ) ، واستشهد له في مغني اللبيب بهذه الآية وبقوله تعالى لقد كنت في غفلة من هذا وفيه نظر ، لإمكان حملها على معنيين شائعين من معاني ( من ) وهما : معنى التعليل في الآية الأولى ؛ كقولهم : سقاهم من الغيمة ، أي : لأجل [ ص: 382 ] العطش ، قاله الزمخشري . وجعل المعنى : أن قسوة قلوبهم حصلت فيهم من أجل ذكر الله ، ومعنى الابتداء في الآية الثانية ، أي : قست قلوبهم ابتداء من سماع ذكر الله .

والمراد " بذكر الله " القرآن ؛ وإضافته إلى " الله " زيادة تشريف له . والمعنى : أنهم إذا تليت آية اشمأزوا فتمكن الاشمئزاز منهم فقست قلوبهم .

وحاصل المعنى : أن كفرهم يحملهم على كراهية ما يسمعونه من الدعوة إلى الإسلام بالقرآن فكلما سمعوه أعرضوا وعاندوا وتجددت كراهية الإسلام في قلوبهم حتى ترسخ تلك الكراهية في قلوبهم فتصير قلوبهم قاسية .

فكان القرآن أن سبب اطمئنان قلوب المؤمنين قال تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب وكان سببا في قساوة قلوب الكافرين .

وسبب ذلك اختلاف القابلية فإن السبب الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القابلية ، وإنما تعرف خصائص الأشياء باعتبار غالب آثارها في غالب المتأثرات ، فذكر الله سبب في لين القلوب وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر ، فإذا حل فيها هذا المرض صارت إذا ذكر الله عندها أشد مرضا مما كانت عليه .

وجملة أولئك في ضلال مبين مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما قبله من الحكم بأن قساوة قلوبهم من أجل أن يذكر الله عندهم يثير في نفس السامع أن يتساءل : كيف كان ذكر الله سبب قساوة قلوبهم ؟ فأفيد بأن سبب ذلك هو أنهم متمكنون من الضلالة منغمسون في حمأتها فكان ضلالهم أشد من أن يتقشع حين يسمعون ذكر الله .

وافتتاح هذه الجملة باسم الإشارة عقب ما وصفوا به من قساوة القلوب لإفادة أن ما سيذكر من حالهم بعد الإشارة إليهم صاروا به أحرياء لأجل ما ذكر قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة ، فكان مضمون قوله أولئك في ضلال مبين وهو الضلال الشديد علة لقسوة قلوبهم [ ص: 383 ] حسبما اقتضاه وقوع جملته استئنافا بيانيا . وكان مضمونها مفعولا لقسوة قلوبهم حسبما اقتضاه تصدير جملتها باسم الإشارة وعقب وصف المشار إليهم بأوصاف .

وكذلك شأن الأعراض النفسية أن تكون فاعلة ومنفعلة باختلاف المثار وما تتركه من الآثار لأنها علل ومعلولات بالاعتبار لا يتوقف وجود أحد الشيئين منهما على وجود الآخر التوقف المسمى بالدور المعي .

والمبين : الشديد الذي لا يخفى لشدته ، فالمبين كناية عن القوة والرسوخ فهو يبين للمتأمل أنه ضلال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث