الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

القول الثالث : في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة ، دون ما كان من العدو .

وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة ، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول ; لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به ، فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق .

ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية ، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول ، كما عليه الجمهور وهو الحق .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو ، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة ; لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى : ( فإذا أمنتم ) [ 2 \ 196 ] .

ولا سيما على قول من قال من العلماء : إن الرخصة لا تتعدى محلها ، وهو قول جماعة من أهل العلم .

وأما حديث عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو ، وابن عباس ، وأبي هريرة - رضي الله عنهم - فلا تنهض به حجة ; لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام ; بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين ، وحديث ابن عباس عند مسلم ، وأصحاب السنن ، وغيرهم من أنه صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب : " حجي واشترطي " ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة ، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة ، عن الحجاج بن عمرو ، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن ، وإليه أشار في " مراقي السعود " بقوله : [ الرجز ] [ ص: 81 ]

والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا



وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام ، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح ، فإن قيل : يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا ، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى ، وحمل حديث عكرمة ، عن الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل ، وعليه حجة أخرى ، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى .

وحديث الحجاج بن عمرو ، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " فقد حل وعليه حجة أخرى " .

فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم ، لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون .

قال البخاري في " صحيحه " في باب " من قال ليس على المحصر بدل " ما نصه : وقال مالك وغيره ينحر هديه ، ويحلق في أي موضع كان ، ولا قضاء عليه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف ، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ، ثم لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أن يقضوا شيئا ، ولا يعودوا له والحديبية خارج من الحرم . انتهى منه بلفظه .

وقد قال مالك في " الموطأ " إنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حل هو وأصحابه بالحديبية ، فنحروا الهدي ، وحلقوا رءوسهم ، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي ، ثم لم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا من أصحابه ، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ، ولا يعودوا لشيء . انتهى بلفظه من [ الموطأ ] . ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ، ومن طريق أبي معشر وغيرهما ، قالوا : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر ، أو مات ، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية ، وكانت عدتهم ألفين ; لأن الشافعي - رحمه الله - قال : والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت ; لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون ، ثم اعتمر عمرة القضية ، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال ، ا ه .

فهذا الشافعي - رحمه الله - جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة في نفس ولا مال . وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي .

[ ص: 82 ] وقال ابن حجر في " الفتح " : ويمكن الجمع بين هذا إن صح وبين الذي قبله ، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب ; لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر .

وقال الشافعي في عمرة القضاء : إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش ، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة ، ا ه .

وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر قاله ابن حجر .

وقال البخاري في " صحيحه " في الباب المذكور ما نصه : " وقال روح ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ ، فأما من حبسه عذر ، أو غير ذلك فإنه يحل ، ولا يرجع " . انتهى محل الغرض منه بلفظه .

وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وفيه : فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه ، ا ه . فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس - رضي الله عنهما - ممن روى عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو ، وأن راوي الحديث من أعلم الناس به ، ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه التأويل ، وهو مصرح بأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحجاج بن عمرو وعليه حجة أخرى ، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام ، تعلم أن الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين ، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية ، وأن الجمع الأخير لا يصح ; لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام ، ا ه .

وأما على قول من قال : إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة ، وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ، ويطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ، فيهدي أو يصوم ، إن لم يجد هديا كما ثبت في " صحيح البخاري " من حديث ابن عمر كما تقدم .

فهو من حيث أن المريض عندهم غير محصر ، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة يطوف ويسعى ويحج من قابل ، ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ، ا ه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث