الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الفرع الثالث : هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق أو تقصير ، أو لا يلزمه شيء من ذلك ؟

اختلف العلماء في هذا ، فذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله ، ومحمد إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، واحتج أهل هذا القول بأن الله قال : ( فما استيسر من الهدي ) ولم يذكر الحلق ولو كان لازما لبينه ، واحتج أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق ; بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء الأفعال ، وقبله جناية ، فلا يؤمر به ، ولهذا العبد والمرأة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعا .

وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق ، هل هو نسك أو إطلاق من محظور ؟ وذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه : إلى أن المحصر عليه أن يحلق .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل : هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق ، لقوله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) .

ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم ، وأمر أصحابه أن يحلقوا ، وقال : " اللهم ارحم المحلقين " قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " اللهم ارحم المحلقين " قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " والمقصرين " .

فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق عن المحصر . وقياس من قال بعدم اللزوم الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها ظاهر السقوط ; لأن الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة مثلا ، كل ذلك منع منه المحصر وصد عنه ، فسقط عنه ; لأنه حيل بينه وبينه ، ومنع منه .

وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله ; فلا وجه لسقوطه ، ولا [ ص: 87 ] شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه ، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه ، وعلى من فاته الحج ، وعلى المحصر بعدو ، وعلى المحصر بمرض .

وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك ، فالمحصر يتحلل بثلاثة أشياء : وهي النية ، وذبح الهدي ، والحلاق . وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث