الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ، لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله : وكلم الله موسى تكليما [ 4 \ 164 ] ، وقوله : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [ 7 \ 144 ] .

قال ابن كثير : منهم من كلم الله ، يعني موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم ، وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في " صحيح ابن حبان " عن أبي ذر رضي الله عنه .

قال مقيده عفا الله عنه : تكليم آدم الوارد في " صحيح ابن حبان " يبينه قوله تعالى : وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة [ 2 \ 35 ] ، وأمثالها من الآيات فإنه ظاهر في أنه بغير واسطة الملك ، ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه ، فهو رسول إليها بذلك .

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : منهم من كلم الله ، ما نصه : وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آدم أنبي مرسل هو ؟ فقال : " نعم نبي مكلم " ، قال ابن عطية : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة ، فعلى هذا تبقى خاصية موسى اهـ .

وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى : فإما يأتينكم مني هدى [ 2 \ 38 ] ، في سورة " البقرة " ما نصه : لأن آدم كان هو النبي - صلى الله عليه وسلم - أيام حياته ، بعد أن أهبط إلى [ ص: 155 ] الأرض ، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده ، فغير جائز أن يكون معنيا وهو ، الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله : فإما يأتينكم مني هدى ، أي : رسل اهـ محل الحجة منه بلفظه وفيه وفي كلام ابن كثير المتقدم عن " صحيح ابن حبان " التصريح بأن آدم رسول وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل ويشهد له قوله تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [ 4 \ 163 ] ، والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين : الأول : أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة ، ونوح أول رسول أرسل في الأرض ، ويدل لهذا الجمع ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما ، ويقول : " ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " ، الحديث . فقوله : " إلى أهل " الأرض ، لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض ، لكان ذلك الكلام حشوا ، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا . ويتأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له .

الوجه الثاني : أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه ، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى ، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده ، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : وما كان الناس إلا أمة واحدة الآية [ 10 \ 19 ] . أي : على الدين الحنيف ، أي حتى كفر قوم نوح ، وقوله : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين الآية [ 2 \ 213 ] . والله تعالى أعلم .

وقوله تعالى : ورفع بعضهم درجات ، أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - كقوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [ 17 \ 79 ] ، أو قوله : وما أرسلناك إلا كافة للناس الآية [ 34 \ 28 ] ، وقوله : إني رسول الله إليكم جميعا [ 7 \ 158 ] ، وقوله : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [ 25 ] ، وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم كقوله : واتخذ الله إبراهيم خليلا [ 4 \ 125 ] ، وقوله : إني جاعلك للناس إماما [ 2 \ 124 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا [ 17 ] ، وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس [ ص: 156 ] وهو قوله : ورفعناه مكانا عليا [ 19 \ 57 ] ، وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله : وآتينا عيسى ابن مريم البينات [ 2 \ 87 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث