الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم

هذا هو الوصف الثاني ، ويساوي إيتاء الزكاة ; لأن الحق المعلوم لا يكون إلا في المفروض ، وهو قول أكثر المفسرين . ولا يمنع أن السورة مكية ; فقد يكون أصل المشروعية بمكة ، ويأتي التفصيل بالمدينة ، وهو في السنة الثانية من الهجرة ، وهنا إجمال في هذه الآية .

الأول : في الأموال .

والثاني : في الحق المعلوم . أي : القدر المخرج ، ولم تأت آية تفصل هذا الإجمال إلا آية : وما آتاكم الرسول فخذوه [ 59 \ 7 ] ، وقد بينت السنة هذا الإجمال .

أما الأموال ، فهي لإضافتها تعم كل أموالهم ، وليس للأمر كذلك ، فالأموال الزكوية بعض من الجميع ، وأصولها عند جميع المسلمين هي :

أولا : النقدان : الذهب والفضة .

ثانيا : ما يخرج من الأرض من حبوب وثمار .

ثالثا : عروض التجارة .

رابعا : الحيوان ، ولها شروط وأنصباء . وفي كل من هذه الأربعة تفصيل ، وفي الثلاثة الأولى بعض الخلاف .

وقد تقدم للشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - بيان كل ما يتعلق بأحكامها جملة وتفصيلا عند آيتي : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله [ 9 \ 34 ] وقوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده [ 63 \ 141 ] ، ولم يتقدم ذكر لزكاة الحيوان [ ص: 271 ] ولا زكاة الفطر ، وعليه نسوق طرفا من ذلك لتفصيل النصاب في كل منها ، وما يجب في النصاب ، وما تدعو الحاجة لذكره من مباحث في ذلك كالخلطة مثلا ، والصفات في المزكى ، والراجح فيما اختلف فيه ، ثم نتبع ذلك بمقارنة بين هذه الأنصباء في بهيمة الأنعام وأنصباء الذهب والفضة ; لبيان قوة الترابط بين الجميع ، ودقة الشارع في التقدير .

أولا : بيان النوع الزكوي من الحيوان .

اعلم - رحمنا الله وإياك - : أن مذهب الجمهور : أنه لا زكاة في الحيوان إلا في بهيمة الأنعام الثلاثة : الإبل ، والبقر ، والغنم ، الضأن والمعز سواء . وألحق بالبقر الجواميس ، والإبل تشمل العراب والبخاتي ، والخلاف في الخيل .

ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - دليل أبي حنيفة - رحمه الله - استدل لوجوب الزكاة في الخيل بالقياس في حملها على الأصناف الثلاثة الأخرى ، إذا كانت للنسل أي : كانت ذكورا وإناثا ، بخلاف ما إذا كانت كلها ذكورا بجامع التناسل في كل واشترط لها السوم أيضا .

وبحديث : " ما من صاحب ذهب لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صفح له صفائح من نار ، فتكوى بها جبينه وجنبه وظهره " الحديث . وفيه ذكر الأموال الزكوية كلها ، والإبل ، والبقر ، والغنم . فقالوا : والخيل يا رسول الله ؟ فقال " الخيل ثلاثة : هي لرجل أجر ، ولرجل ستر ، ولرجل وزر . أما التي لرجل أجر : فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج أو روضة " إلى آخر ما جاء في هذا القسم . ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر . ورجل ربطها رياء وفواء لأهل الإسلام ; فهي على ذلك وزر .

فقال - رحمه الله - : إن حق الله في رقابها وظهورها هو الزكاة . وقد خالفه في ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد ، ووافقه زفر ، وبما رواه الدارقطني والبيهقي والخطيب من حديث جابر مرفوعا " في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم " .

أدلة الجمهور على عدم [ ص: 272 ] وجوب الزكاة فيها والرد على أدلة أبي حنيفة - رحمه الله - :

واستدل الجمهور بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " .

والفرس اسم جنس يعم ، وبعدم ذكرها مع بقية الأجناس الأخرى حتى سئل عنها - صلى الله عليه وسلم - ، فلو كانت مثلها في الحكم لما تركها في الذكر .

وحديث " قد عفوت عن الخيل ; فهاتوا زكاة الرقة " . رواه أبو داود .

وأجابوا على استدلال أبي حنيفة ، بأن حق الله في رقابها ، وظهورها إعارتها ، وطرقها إذا طلب ذلك منه .

كما أجابوا على حديث جابر بما نقله الشوكاني والدارقطني من أنه : لا تقوم به حجة .

ورد أبو حنيفة على دليل الجمهور : بأن فرسه مجمل ، وهو يقول بالحديث إذا كان الفرس للخدمة . أما إذا كانت الخيل للتناسل ، فقد خصها القياس ، وعلى حديث ( عفوت عن الخيل ) بأنه لم يثبت ، وهذه دعوى تحتاج إلى إثبات ، فقد ذكر الشوكاني أنه حسن .

ولعل مما يرد استدلال أبي حنيفة نفس الحديث الذي استدل به من قرينة التقسيم ، إذا أناط الأجر فيها بالجهاد عليها ، ولم يذكر الزكاة ، مع أن الزكاة قد تكون ألزم من الأجر أو أعم من الجهاد ; لأنها تكون لمن لا يستطيع الجهاد : كالمرأة مثلا فتزكي ; فلو كانت فيها الزكاة لما خرجت عن قسم الأجر .

ثانيا : لو كان حق الله في المذكور هو الزكاة لما ترك لمجرد تذكرها وخيف تعرض للنسيان ; لأن زكاة الأصناف الثلاثة الأخرى لم تترك لذلك بل يطالب بها صاحبها ، ويأتي العامل فيأخذها ، وإن امتنع صاحبها أخذت جبرا عليه ، وبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور في عدم الوجوب .

ومن ناحية أخرى ، فقد اختلف القول عن أبي حنيفة - رحمه الله - فيما تعامل به ، وفيما يخرج في زكاتها ، فقيل : إنه مخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو عشرة دراهم ، وبين أن يقومها ويدفع عن كل مائتي درهم خمسة دراهم .

وقد جعل الأحناف زكاتها لصاحبها ، ولا دخل للعامل فيها ، ولا يجبر الإمام عليها ، [ ص: 273 ] وقد أطال في الهداية الكلام عليها ، ولعل أحسن ما يقال في ذلك ما جاء عن عمر - رضي الله عنه - في سنن الدارقطني ، قال : جاء ناس من أهل الشام إلى عمر - رضي الله عنه - ، فقالوا : إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا ، وإنا نحب أن نزكيه ، فقال : ما فعله صاحباي قبلي فأفعله أنا ، ثم استشار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : حسن ، وسكت علي ، فسأله ، فقال : هو حسن لو لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك . فأخذ من الفرس عشرة دراهم ، وفيه : فوضع على الفرس دينارا .

وفي المنتقى عن أحمد - رحمه الله - أنهم قالوا : نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور ، فهي إذا دائرة بين الاستحباب والترك .

وقد جاء في نفس الحديث الطويل المتقدم أنهم قالوا : والحمر يا رسول الله ؟ فقال " ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [ 99 \ 7 ] رواه الستة إلا الترمذي .

وعليه ; فإن الأحاديث التي هي نص في الوجوب أو للترك لم تصلح للاحتجاج ، والحديث الذي فيه الاحتمال في معنى حق الله في ظهورها ورقابها ، قال ابن عبد البر : إنه مجمل ، فلم يكن في النصوص المرفوعة متمسك للأحناف في قولهم : بوجوب زكاة الخيل ، وبقي مفهوم الحديث ، وقول عمر - رضي الله عنه - .

أما مفهوم الحديث ; فقد أشرنا إلى القرائن التي فيه على عدم الوجوب .

وأما فعل عمر - رضي الله عنه - ففيه قرائن أيضا ، بل أدلة على عدم الوجوب ، وهي :

أولا : لأنهم هم الذين طلبوا منه أن يزكيها ويطهرها بالزكاة ، وإيجاب الزكاة لا يتوقف على رغبة المالك .

ثانيا : توقف عمر وعدم أخذها منهم لأول مرة ، ولو كانت معلومة له مزكاة لما خفيت عليه ولما توقف .

ثالثا : تصريحه بأنه لم يفعله صاحباه من قبله ، فكيف يفعله هو ؟ ! .

رابعا : قول علي : ما لم تكن جزية من بعدك . أي : إن أخذها عمر استجابة لرغبة أولئك فلا بأس لتبرعهم بها ، ما لم يكن ذلك سببا لجعلها لازمة على غيرهم فتكون كالجزية على المسلمين .

ومما يستدل به للجمهور حديث : " قد عفوت عن الخيل والرقيق فأدوا زكاة [ ص: 274 ] أموالكم " . رواه أبو داود .

قال الشوكاني بإسناد حسن : وهذا ما يتفق مع حديث : " ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده " رواه الجماعة .

وقد أجاب الأحناف على تردد عمر : بأن الخيل لم تكن تعرف سائمة للنسل عند العرب ، ولكنها ظهرت بعد الفتوحات في عهد عمر . وفي هذا القول نظر . وعليه فلا دليل على وجوب الزكاة في الخيل فتبقى على البراءة الأصلية ، ولهذا لم يأت للخيل ذكر في كتاب أنصباء بهيمة الأنعام ، ولا يرد عليه أن البقر لم يأت ذكرها أيضا فيه ; لأن زكاة البقر جاءت فيها نصوص متعددة لأصحاب السنن .

وللبخاري وغيره بيان أنصباء الزكاة وما يؤخذ فيها : معلوم أنه لم يأت نص من كتاب الله يفصل ذلك ، ولكن تقدم في مقدمة الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - أن من أنواع البيان بيان القرآن بالسنة ، وهو نوع من بيان القرآن ; لقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه [ 59 \ 7 ] .

وقد بينت السنة أركان الإسلام : كعدد الركعات وأوقات الصلوات مفصلة ومناسك الحج .

فكذلك بينت السنة مجمل هذا الحق ، وفي أي أنواع الأموال ، وإن أجمع نص في ذلك هو كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كتبه وقرنه بسيفه ، وقد عمل به أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - ومضى عليه العمل فيما بعد .

وقد رواه الجماعة عن أنس - رضي الله عنه - ، قال أرسل إلي أبو بكر كتابا ، وكان نقش الخاتم عليه : " محمد " سطر ، و " رسول " سطر ، و " الله " سطر :

بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين ، والتي أمر الله بها رسوله ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ، ومن سئل فوقها فلا يعطه : في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض ، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون ، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل ، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة ، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين [ ص: 275 ] ففيها بنتا لبون ، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل ، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون ، وفي كل خمسين حقة ، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة .

وصدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين فيها شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه ، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة .

فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة ، واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ، فلا يجتمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية
. الحديث .

فقد بين - صلى الله عليه وسلم - في هذا الكتاب أنصباء الإبل والغنم وما يجب في كل منهما ، ولم يتعرض لأنصباء البقر ، ولكن بين أنصباء البقر حديث معاذ عند أصحاب السنن .

قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بعثني إلى اليمن ، ألا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين ، فإذا بلغت : ففيها عجل تبيع جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين ، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة .

ولهذين النصين الصحيحين يكتمل بيان أنصباء بهيمة الأنعام : الإبل ، والبقر ، والغنم . وهو الذي عليه الجمهور وعليه العمل .

وما روي عن سعيد بن المسيب : في كل عشر من البقر شاة إلى ثلاثين ففيها تبيع ، فلم يعمل به أحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث