الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة الآية .

اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى ، بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - بإخلاص في ذلك لله تعالى ; لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى ، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة .

وأصل الوسيلة : الطريق التي تقرب إلى الشيء ، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء ; لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جدا كقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ 59 \ 7 ] ، وكقوله : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني [ \ 31 ] ، وقوله : قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [ 24 \ 54 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد بالوسيلة الحاجة ، ولما سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك ؟ أنشد له بيت عنترة : [ الكامل ]


إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي



قال : يعني لهم إليك حاجة ، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس ، فالمعنى : وابتغوا إليه الوسيلة [ 5 \ 35 ] ، واطلبوا حاجتكم من الله ; لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها ، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى : إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه الآية [ 29 \ 17 ] ، وقوله : واسألوا الله من فضله الآية [ 4 \ 32 ] ، وفي الحديث : " إذا سألت فاسأل الله " .

[ ص: 403 ] قال مقيده - عفا الله عنه - : التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة ، على وفق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتفسير ابن عباس داخل في هذا ; لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته .

وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه ، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى ، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار ، كما صرح به تعالى في قوله عنهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [ 39 \ 3 ] ، وقوله : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [ 10 \ 18 ] ، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل ، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به الآية [ 4 \ 123 ] .

والظاهر أن الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرب أيضا إلى المحبوب ; لأنه وسيلة لنيل المقصود منه ، ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير ، والقرطبي وغيرهما لهذا المعنى الذي ذكرنا ، وجمع الوسيلة : الوسائل ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]


إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا     وعاد التصافي بيننا والوسائل



وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضا في قوله تعالى : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب الآية [ 17 \ 57 ] ، وليس المراد بالوسيلة أيضا المنزلة التي في الجنة التي أمرنا - صلى الله عليه وسلم - أن نسأل له الله أن يعطيه إياها ، نرجو الله أن يعطيه إياها ; لأنها لا تنبغي إلا لعبد ، وهو يرجو أن يكون هو .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث