الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

واختلف العلماء أيضا في ابن آوى ، وابن عرس ، فقال بعض العلماء بتحريم أكلهما ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وأبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - قال في " المغني " : سئل أحمد عن ابن آوى ، وابن عرس ، فقال : كل شيء ينهش بأنيابه من السباع ، وبهذا قال [ ص: 537 ] أبو حنيفة ، وأصحابه . اهـ .

ومذهب الشافعي - رحمه الله - الفرق بينهما ، فابن عرس حلال عند الشافعية بلا خلاف ; لأنه ليس له ناب قوي ، فهو كالضب ، واختلف الشافعية في ابن آوى .

فقال بعضهم : يحل أكله ; لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب .

والثاني : لا يحل ; لأنه مستخبث كريه الرائحة ، ولأنه من جنس الكلاب ، قاله النووي ، والظاهر من مذهب مالك كراهتهما .

وأما الوبر ، واليربوع ، فأكلهما جائز عند مالك وأصحابه ، وهو مذهب الشافعي ، وعليه عامة أصحابه ، إلا أن في الوبر وجها عندهم بالتحريم .

وقد قدمنا أن عمر أوجب في اليربوع جفرة ، فدل ذلك على أنه صيد ، ومشهور مذهب الإمام أحمد أيضا جواز أكل اليربوع ، والوبر .

وممن قال بإباحة الوبر : عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وعمرو بن دينار ، وابن المنذر ، وأبو يوسف .

وممن قال بإباحة اليربوع أيضا : عروة ، وعطاء الخراساني ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، كما نقله عنهم صاحب " المغني " .

وقال القاضي من الحنابلة بتحريم الوبر ، قال في " المغني " : وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، إلا أبا يوسف ، وقال أيضا : إن أبا حنيفة قال في اليربوع أيضا : هو حرام ، وروي ذلك عن أحمد أيضا ، وعن ابن سيرين ، والحكم ، وحماد ; لأنه يشبه الفأر ، ونقل النووي في " شرح المهذب " عن صاحب " البيان " عن أبي حنيفة تحريم الوبر ، واليربوع ، والضب ، والقنفذ ، وابن عرس .

وممن قال بإباحة الخلد والضربوب : مالك وأصحابه .

وأما الأرنب : فالتحقيق أن أكلها مباح ; لما ثبت في " الصحيحين " عن أنس - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم : " أهدي له عضو من أرنب فقبله " ، وفي بعض الروايات " فأكل منه " ، وقال ابن قدامة في " المغني " : أكل الأرنب سعد بن أبي وقاص ، ورخص فيها أبو سعيد ، وعطاء ، وابن المسيب ، والليث ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، ولا نعلم أحدا قائلا بتحريمها ، إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص . اهـ .

[ ص: 538 ] وأما الضب : فالتحقيق أيضا جواز أكله ; لما ثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عمر : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " كلوا أو أطعموا فإنه حلال " ، وقال : " لا بأس به ، ولكنه ليس من طعامي " ، يعني الضب ، ولما ثبت أيضا في " الصحيحين " من حديث خالد - رضي الله عنه : " أنه أكل ضبا في بيت ميمونة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه " ، وقد قدمنا قول صاحب " البيان " عن أبي حنيفة بتحريم الضب .

ونقل في " المغني " عن أبي حنيفة أيضا ، والثوري تحريم الضب ، ونقل عن علي النهي عنه ، ولم نعلم لتحريمه مستندا ، إلا ما رواه مسلم في " الصحيح " من حديث جابر - رضي الله عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم : " أتي بضب ، فأبى أن يأكله " قال : " إني لا أدري لعله من القرون الأولى التي مسخت " ، وأخرج مسلم نحوه أيضا من حديث أبي سعيد مرفوعا ، فكأنه في هذا الحديث علل الامتناع منه باحتمال المسخ ، أو لأنه ينهش ، فأشبه ابن عرس ، ولكن هذا لا يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة التي قدمناها بإباحة أكله ، وكان بعض العرب يزعمون أن الضب من الأمم التي مسخت ، كما يدل له قول الراجز : [ الرجز ]


قالت وكنت رجلا فطينا هذا لعمر الله إسرائينا



فإن هذه المرأة العربية أقسمت على أن الضب إسرائيلي مسخ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث