الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان بشارات التوراة والإنجيل وغيرهما بنبينا صلى الله عليه وسلم

جزء التالي صفحة
السابق

( الأمر السابع )

إن أهل الكتاب سلفا وخلفا عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبا الأسماء في تراجمهم ، ويوردون بدلها معانيها ، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد ، وأنهم يزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في الكلام الذي هو كلام الله في زعمهم ، ولا يشيرون إلى الامتياز ، وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم ، ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة ، وأنا أورد أيضا بطريق الأنموذج بعضا منها .

1 - في الآية الرابعة عشرة من الباب السادس عشر من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1625 وسنة 1831 هكذا ( لذلك دعت اسم تلك البير بير الحي الناظرني ) فترجموا اسم البئر الذي كان في العبراني بالعربي .

2 - وفي الآية الرابعة عشرة من الباب الثاني والعشرين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 ( هكذا سمى إبراهيم اسم ذلك الموضع مكان يرحم الله زائره ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844 ( دعا إبراهيم اسم ذلك الموضع الرب يرى ) فترجم المترجم الأول الاسم العبراني بمكان يرحم الله زائره ) والمترجم الثاني بالرب يرى .

3 - وفي الآية العشرين من الباب الحادي والثلاثين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1652 وفي سنة 1844 هكذا ( فكتم يعقوب أمره عن حميه ) وفي ترجمة أردو ( الترجمة الأوردية ) المطبوعة سنة 1825 لفظ لابان موضع حميه ، فوضع مترجمو العربية لفظ الحمي موضع الاسم .

4 - وفي الآية العاشرة من الباب التاسع والأربعين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1625 وسنة 1844 ( فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم ) فقوله : ( الذي له الكل ) ترجمة لفظ " شيلوه " وهذه الترجمة موافقة للترجمة اليونانية ، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 فلا يزول القضيب من يهوذا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له ، وإليه يجتمع الشعوب ( وهذا المترجم ترجم لفظ شيلوه ( بالذي هو له ) وهذه الترجمة موافقة للترجمة السريانية ، وترجم هذا اللفظ محققهم المشهور ليكرك بعاقبته ، وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة 1825 وقع [ ص: 212 ] لفظ شيلا ، وفي الترجمة اللاتينية ولتكيت ( الذي سيرسل ) فالمترجمون ترجموا لفظ شيلوه بما ظهر وترجح عندهم ، وهذا اللفظ كان بمنزلة الاسم للشخص المبشر به .

5 - وفي الآية الرابعة عشرة من الباب الثالث من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1625 وسنة 1844 ( فقال الله لموسى : أهيه أشراهيه ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 ( قال له الأزلي الذي لا يزال ) فلفظ أهيه أشراهيه كان بمنزلة اسم الذات ، فترجمه المترجم الثاني بالأزلي الذي لا يزال .

6 - وفي الآية الحادية عشرة من الباب الثامن من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1625 وسنة 1844 هكذا ( تبقى في النهر فقط ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 هكذا ( تبقى في النيل فقط ) .

7 - وفي الآية الخامسة عشرة من الباب السابع عشر من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1625 وسنة 1844 هكذا ( فابتنى موسى مذبحا ودعا اسمه الرب عظمتي ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 ( وبنى مذبحا وسماه الله علمي ) وترجمة أردو موافقة لهذه الأخيرة فأقول مع قطع النظر عن الاختلاف إن المترجمين ترجموا الاسم العبراني .

8 - وفي الآية الثالثة والعشرين من الباب الثلاثين من سفر الخروج في الترجمتين المذكورتين هكذا ( من ميعة فائقة ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 ( من المسك الخالص ) وبين الميعة والمسك فرق ما فسروا الاسم العبراني بما ترجح عندهم .

9 - وفي الآية الخامسة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء ( أي : التثنية ) في الترجمتين المذكورتين هناك ( فمات هناك موسى عبد الرب ( وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 هكذا ( فمات هناك موسى رسول الله ) فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية لفظ رسول الله بلفظ آخر فلا استبعاد منهم .

10 ، 11 تركنا الشاهدين للاختصار .

12 - وفي الآية الرابعة عشرة من الباب الحادي عشر من إنجيل متى في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 وسنة 1844 هكذا ( فإن أردتم تقبلوه فهو إيليا المزمع أن يأتي ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 ( فإن أردتم أن تقبلوه فهذا هو المزمع بالإتيان )

[ ص: 213 ] فالمترجم الأخير بدل لفظ إيليا بهذا ، فأمثال هؤلاء لو بدلوا أسماء من أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - في البشارة فلا عجب .

13 - وفي الآية الأولى من الباب الرابع من إنجيل يوحنا في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 وسنة 1831 وسنة 1844 هكذا ( لما علم يسوع ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1860 ( لما علم الرب ) فبدل المترجمان الأخيران لفظ يسوع - الذي كان علم عيسى - عليه السلام - بالرب الذي هو من الألفاظ التعظيمية ، فلو بدلوا اسما من أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالألفاظ التحقيرية لأجل عادتهم وعنادهم فلا عجب .

وهذه الشواهد تدل على ترجمة الأسماء وإيراد لفظ آخر بدلها : 1 - في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا ( ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : ايلي ايلي ، لماذا شبقتني ؟ أي : إلهي إلهي لماذا تركتني ) وفي الباب الخامس عشر من إنجيل مرقس هكذا ( وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا الوي الوي لماذا شبقتني ، الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني ) فلفظ : أي : إلهي إلهي لماذا تركتني في إنجيل متى ، وكذا لفظ " الذي تفسيره إلهي لماذا تركتني " في إنجيل مرقس ، ليسا من كلام الشخص المصلوب يقينا ، بل ألحقا بكلامه .

2 - في الآية السابعة عشرة من الباب الثالث من إنجيل مرقس هكذا ( لقبها ببوان رجس أي : ابني الرعد ) فلفظ " أي : ابني الرعد " ليس من كلام عيسى - عليه السلام - ، بل هو إلحاقي .

3 - في الآية الحادية والأربعين من الباب الخامس من إنجيل مرقس هكذا ( وقال لها طليثا قومي ، الذي تفسيره يا صبية لك أقول قومي ) فهذا التفسير إلحاقي ليس من كلام عيسى - عليه السلام - .

4 - في الآية الرابعة والثلاثين من الباب السابع من إنجيل مرقس في الترجمة المطبوعة سنة 1816 ( ونظر إلى السماء وتأوه وقال : افثا يعني انفتح ) وفي الترجمة العربية المطبوعة المطبوعة سنة 1811 ( ونظر إلى السماء وتنهد وقال : افاثا ، الذي هو انفتح ، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844 هكذا ( ونظر إلى السماء وتنهد وقال له : انفتح الذي هو انفتح ، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1860 هكذا ( ورفع نظره نحو السماء وقال له : افثا أي : انفتح ) ومن هذه العبارة وإن لم يعلم صحة اللفظ العبراني أهو افثا أو افاثا أو انفتح لأجل [ ص: 214 ] اختلاف التراجم التي منشأ اختلافها عدم صحة ألفاظ أصولها ، لكنه يعلم يقينا أن لفظ أي : انفتح أو الذي هو انفتح إلحاقي ليس من كلام عيسى - عليه السلام - .

وهذه الأقوال المسيحية الأربعة التي نقلتها من الشاهد الأول إلى هاهنا تدل على أن المسيح - عليه السلام - كان يتكلم باللسان العبراني الذي كان لسان قومه ، وما كان يتكلم باليوناني ، وهو قريب القياس أيضا ؛ لأنه كان عبرانيا ابن عبرانية نشأ في قومه العبرانيين ، فنقل أقواله في هذه الأناجيل في اليوناني نقل بالمعنى ، وهذا أمر آخر زائد على كون أقواله مروية برواية الآحاد .

5 - في الآية الثامنة والثلاثين من الباب الأول من انجيل يوحنا هكذا ( فقالا له : ربي الذي تفسيره يا معلم ) فقوله : الذي تفسيره يا معلم - إلحاقي ليس من كلامهما .

6 - في الآية الحادية والأربعين من الباب المذكور في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 وسنة 1844 ( قد وجدنا مسيا الذي تأويله المسيح ) وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة 1816 ( ما مسيح راكة ترجمة آن كرسطوس ميباشمد يا فتيم ) وترجمة أردو المطبوعة سنة 1814 توافق الفارسية ، فيعلم من الترجمتين العربيتين أن اللفظ الذي قاله أندراوس هومسيا وأن المسيح ترجمته ، ومن الترجمة الفارسية وأردو ( أي : الترجمة الأوردية ) أن لفظ الأصل هو المسيح وكرسطوس ترجمته ، ويعلم من ترجمة أردو المطبوعة سنة 1839 أن لفظ الأصل خرسته ، وأن المسيح ترجمته ، فلا يعلم من كلامهم أي لفظ كان الأصل ؟ أمسيا أم المسيح أم خرسته ؟ وهذه الألفاظ وإن كان معناها واحدا لكن لا شك أن الذي قاله أندراوس هو واحد من هذه الثلاثة يقينا ، وإذا ذكر اللفظ والتفسير فلا بد من ذكر لفظ الأصل أولا ، ثم من ذكر تفسيره ، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول : إن التفسير المشكوك فيه أياما كان إلحاقي ليس من كلام أندراوس .

7 - في الآية الثانية والأربعين من الباب الأول من إنجيل يوحنا قول عيسى - عليه السلام - في حق بطرس الحواري في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 هكذا ( أنت تدعى ببطرس الذي تأويله الصخرة ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 ( ستسمى أنت بالصفا المفسر ببطرس ) وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة 1816 ( ترابكيفاس كه ترجمة : آن سنك است تداخوا هند كرد ) . أمطر الله حجارة على تحقيقهم وتصحيحهم لا يتميز المفسر من كلامهم عن المفسر ، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول : إن التفسير ليس من كلام المسيح - عليه السلام - بل هو إلحاقي ، وإذا كان حال تراجمهم وحال تحقيقهم في لقب إلههم ولقب خليفته كما علمت فكيف نرجو منهم صحة بقاء لفظ محمد أو أحمد أو لقب من ألقابه - صلى الله عليه وسلم - ! .

[ ص: 215 ] ( ثم قال بعد إيراد شواهد أخرى ما نصه ) : فإذا كانت خصلة أهل الدين والديانة ما عرفت فما ظنك بغير أهل الديانة ؟ بل الحق أن التحريف القصدي بالتبديل بالزيادة والنقصان من خصالهم كلهم أجمعين ، فبعض الأخبار التي نقلها العلماء الأسلاف من أهل الإسلام ، مثل الإمام القرطبي وغيره إذا لم تجدها موافقة في بعض الألفاظ للتراجم المشهورة الآن فسببه غالبا هذا التغيير ؛ لأن هؤلاء العلماء من أهل الإسلام نقلوا عن الترجمة العربية التي كانت رائجة في عهدهم ، وبعد زمانهم وقع الإصلاح في تلك الترجمة ، ويحتمل أن يكون ذاك السبب اختلاف التراجم لكن الأول هو المعتمد ؛ لأننا نرى أن هذه العادة جارية إلى الآن في تراجمهم ورسائلهم ، ألا ترى إلى ميزان الحق إلخ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث