الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير

جزء التالي صفحة
السابق

( نموذج من قصور أقوال المفسرين وغلطهم وتقليدهم في تفسير الآية ) :

( 1 ) الروايات المأثورة والمعتمدون عليها :

روى الإمام ابن جرير المتوفى سنة 310 هـ عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه فسر الآية بالركون إلى الشرك ( وهو أقوى ما روي فيها ) وروي عنه تفسيره بالميل وأنه قال : لا تميلوا إلى الذين ظلموا . وروى عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم - ولا تركنوا - لا تذهبوا ، وهو ليس تفسيرا بالمعنى اللغوي ، ولا يظهر المراد الشرعي منه إلا بقرينة ما قبله إن جمع بينهما بإرادة المشركين الظالمين للمؤمنين ، وروي عن عكرمة أنه فسر ( الركون " بالطاعة أو المودة أو الاصطناع ، وعن أبي العالية قال : لا ترضوا أعمالهم ( وهو تفسير بأحد اللوازم البعيدة ) وعن الحسن قال : خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهما من أمره : الطغيان في النعمة ، والركون إلى الظلم ، ثم تلا الآية ، وهذا من فقه الآيتين لا تفسير لهما . وعن قتادة قال : يعني لا تلحقوا بالشرك وهو الذي خرجتم منه . وأخذ ابن جرير خلاصة هذه الروايات فقال في تفسير الآية : ولا تميلوا أيها الناس إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله ، فتقبلوا منهم وترضوا عن أعمالهم فتمسكم النار بفعلكم إلخ .

وما قاله ورواه حق في نفسه ولكنه لا يحيط بمعنى الآية ، وما كانت تلك الروايات [ ص: 144 ] إلا كلمات مجملة وجيزة ذكرت بالمناسبة لا يقصد تحقيق معنى الآية في لغتها وأسلوبها وموقعها من العبرة بقصص الرسل مع أقوامهم الظالمين . وقال مثله كل من البغوي وابن كثير فإنهما يعتمدان على المأثور قل أو كثر .

( 2 ) قال أبو بكر الجصاص الحنفي المتوفى سنة 370 هـ في تفسيره ( أحكام القرآن ) : والركون إلى الشيء : هو السكون إليه والمحبة ، فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ومؤانستهم والإنصات إليهم ، وهو مثل قوله - تعالى - : - فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين - 6 : 68 انتهى . وقد أبعد كل البعد ، وإنما هو فقيه لا لغوي ولا مفسر عام .

( 3 ) قال الزمخشري المعتزلي المتوفى سنة 528 هـ في كشافه بعد ذكر القراءات في الآية : والنهي متناول للانحطاط في هواهم ، والانقطاع إليهم ، ومصاحبتهم ومجالستهم ، وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم والتزيي بزيهم ، ومد العين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ، وتأمل قوله : - ولا تركنوا - فإن الركون هو الميل اليسير ، وقوله : - إلى الذين ظلموا - أي إلى الذين وجد منهم الظلم ، ولم يقل : إلى الظالمين . انتهى المراد منه . وذكر بعده حكاية صلاة الموفق خلف الإمام الذي قرأ الآية فغشي عليه وتقدمت ، وموعظة بليغة وعظها للزهري أحد إخوانه من عباد السلف وزهادهم .

أقول : كل ما أدغمه في النهي عن الركون إلى الذين ظلموا قبيح في نفسه لا ينبغي للمؤمن اجتراحه ، وقد يكون من لوازم الركون الحقيرة ، ولكن لا يصح أن يجعل شيء منه تفسيرا للآية مرادا منها والمخاطب الأول بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسابقون الأولون إلى التوبة من الشرك والإيمان معه ، ولم يكن أحد منهم مظنة الانقطاع لظلمة المشركين والانحطاط في هواهم والرضا بأعمالهم ، وأما زيارتهم ومصاحبتهم ومجالستهم والتزيي بزيهم وأمثال ذلك من العادات فلم يكونوا منهيين عنه ، بل كان زي المؤمنين وزيهم واحدا وعاداتهم الدنيوية واحدة ، إلا ما كان قبيحا نهى عنه الإسلام ، وكانت صلة الرحم معهم مشروعة زادها الإسلام تأكيدا ، وكذلك سائر فضائل المعاشرة . ولما نزلت هذه السورة كان المسلمون ضعفاء في مكة والمشركون أقوياء فيها ، ولما نزلت سورة الممتحنة كان الأمر بالعكس إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عازما على الزحف بالمؤمنين لفتح مكة ، وكان الفصل فيها في معاملتهم للمشركين أن الله - تعالى - لا ينهاهم عن الذين لم يقاتلوهم في الدين أن يبروهم ويقسطوا إليهم ، وإنما ينهاهم عن الذين قاتلوهم في الدين . . . . أن يتولوهم وينصروهم .

[ ص: 145 ] ( 4 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي المتوفى سنة 543 هـ في أحكام القرآن : في الآية مسألتان :

( الأولى ) الركون فيه اختلاف بين النقلة للتفسير ، وحقيقته الاستناد والاعتماد على الذين ظلموا .

( المسألة الثانية ) قيل في الذين ظلموا إنهم المشركون ، وقيل : إنهم المؤمنون ، وأنكره المتأخرون ، وقالوا : أما الذين ظلموا من أهل الإسلام فالله أعلم بذنوبهم ، لا ينبغي أن يصالح على شيء من معاصي الله ولا يركن إليه فيها ، وهذا صحيح ، لأنه لا ينبغي لأحد أن يصحب على الكفر ، وفعل ذلك كفر ، ولا على المعصية ، وفعل المعصية معصية . قال الله في الأول : - ودوا لو تدهن فيدهنون - 68 : 9 وسيأتي إن شاء الله ، وإن كانت في الكفار فهي عامة فيهم في العصاة ، وذلك على نحو من قوله : - وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا - 6 : 68 الآية . وقال حكيم :


على المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي



والصحبة لا تكون إلا عن مودة ، فإن كانت عن ضرورة وتقية فقد تقدم ذكرها في آية آل عمران على المعنى ، وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار اهـ .

وقد أصاب المعنى اللغوي والمأثور دون فقه الآية .

وتبعه القرطبي المتوفى سنة 671 هـ في تفسيره جامع أحكام القرآن فنقل كلامه بدون عزو إليه ولم يزد عليه .

( 5 ) وقال أبو علي الفضل بن الحسن الطوسي الشيعي المتوفى سنة 561 هـ في تفسيره مجمع البيان :

( اللغة ) الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات والانصباب إليه بالمحبة ، نقيضه النفور . ( والمعنى ) ثم نهى الله - سبحانه - عن المداهنة في الدين والميل إلى الظالمين فقال : - ولا تركنوا إلى الذين ظلموا - أي ولا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم ، عن ابن عباس ، وقيل : لا تداهنوا عن السدي وابن زيد ، وقيل : إن النهي عن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم وإظهار الرضاء بفعلهم أو إظهار موالاتهم .

فأما الدخول عليهم أو مخالطتهم ومعاشرتهم دفعا لشرهم فجائز عن القاضي . وقريب منه ما روي عنهم أن الركون : المودة والنصيحة والطاعة . انتهى .

وهو لم يأت من عنده بشيء ، وإنما ذكر بعض الروايات المتقدمة وزاد عليها عبارة عن أستاذهم القاضي عبد الجبار المعتزلي ورواية آل البيت عليهم السلام .

( 6 ) وقال فخر الدين الرازي الشافعي المتوفى سنة 606 هـ في تفسيره الكبير مفاتح الغيب :

[ ص: 146 ] الركون هو السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة ، ونقيضه النفور عنه . . . . قال المحققون : الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم ، وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب ، فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون ، ومعنى قوله : - فتمسكم النار - أي إنكم إن ركنتم إليهم فهذه عاقبة الركون ، واعلم أن الله حكم بأن من ركن إلى الظلمة لابد وأن تمسه النار ، وإن كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه " اهـ .

قد تبع الإمام الرازي خصمه المعتزلي ( الزمخشري ) فأساء التقليد ، واختصر على خلاف عادته وما أفاد ، بل زاد عليه الاعتذار لطلاب المنافع ودرء المضار من الظالمين فأخرج مداخلتهم إياهم من جريمة الركون إليهم ، وهل يداخلهم أحد إلا لهذا ؟

( 7 ) وقال القاضي ناصر الدين عبد الله عمر البيضاوي الشافعي المتوفى سنة 685 هـ - ولا تركنوا إلى الذين ظلموا - فلا تميلوا إليهم أدنى ميل ، فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم - فتمسكم النار - بركونكم إليهم ، وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك ، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم ، ثم بالميل إليهم كل الميل ، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه ، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ، وخطاب الرسول ومن معه من المؤمنين بها ، والتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فهو ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه اهـ .

( 8 ) قال عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي المتوفى سنة 701 هـ في تفسيره مدارك التنزيل : - ولا تركنوا إلى الذين ظلموا - 11 : 113 ولا تميلوا ، قال الشيخ - رحمه الله - : هذا خطاب لأتباع الكفرة ، أي : لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه - فتمسكم النار - وقيل : الركون إليهم الرضا بكفرهم ، وقال قتادة : ولا تلحقوا بالمشركين ، وعن الموفق أنه صلى خلف الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه ، فلما أفاق قيل له . فقال : هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم ! ! وعن الحسن : جعل الله الدين بين لاءين : - ولا تطغوا - - ولا تركنوا - . وقال سفيان : في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك . وعن الأوزاعي : ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية : أيسقى شربة ماء ؟ فقال : لا . فقيل له : يموت ؟ قال : دعه يموت : - وما لكم من دون الله من أولياء - حال من قوله : - فتمسكم النار - [ ص: 147 ] أي فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة .

ومعناه : - وما لكم من دون الله من أولياء - يقدرون على منعكم من عذابه ، ولا يقدر على منعكم منه غيره - ثم لا تنصرون - ثم لا ينصركم هو ; لأنه حكم بتعذيبكم ، ومعنى " ثم " الاستبعاد ، أي النصرة من الله مستبعدة . انتهى . وفيه خطأ غير ما قلد به الزمخشري .

( 9 ) وقال أبو المسعود شيخ الإسلام مفتي دولة الروم العثمانية المتوفى سنة 983 هـ ، في تفسيره ( إرشاد العقل السليم ) : - ولا تركنوا - أي تميلوا أدنى ميل - إلى الذين ظلموا - أي إلى الذين وجد منهم ظلم في الجملة ، ومدار النهي هو الظلم ، والجمع باعتبار جمعية المخاطبين ، وما قيل من أن ذلك للمبالغة في النهي ، من حيث إن كونهم جماعة مظنة الرخصة في مداهنتهم ، إنما يتم أن لو كان المراد النهي عن الركون إليهم من حيث إنهم جماعة ، وليس كذلك ، فتمسكم بسبب ذلك النار ، وإذا كان حال الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء إلى مساس النار هكذا ، فما ظنك بمن يميل إلى الراسخين في الظلم والعدوان ميلا عظيما ، ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتهم ، ويلقي شراشره على مؤانستهم ومعاشرتهم ، ويبتهج بالتزيى بزيهم ، ويمد عينيه إلى زهرتهم الفانية ، ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية ، وهي في الحقيقة من الحبة طفيف ، ومن جناح البعوضة خفيف ، بمعزل عن أن تميل إليه القلوب - ضعف الطالب والمطلوب - 22 : 73 وخطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ، فإن الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط ظلم على نفسه أو على غيره . انتهى . وفيه خطأ غير ما قلد به الزمخشري وتكلف .

( 10 ) وقال السيد محمود الألوسي مفتي الحنفية في بغداد - بعد أن كان شافعيا - في تفسيره روح المعاني :

- ولا تركنوا إلى الذين ظلموا - أي لا تميلوا إليهم أدنى ميل ، والمراد بهم المشركون كما روى ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنه - وفسر الميل بميل القلب إليهم بالمحبة ، وقد يفسر بما هو أعم من ذلك ، كما يفسر - الذين ظلموا - بمن وجد منه ما يسمى ظلما مطلقا . قيل : ولإرادة ذلك لم يقل : إلى الظالمين ، ويشمل النهي حينئذ مداهنتهم ، وترك التغيير عليهم مع القدرة ، والتزيي بزيهم ، وتعظيم ذكرهم . ومجالستهم من غير داع شرعي ، وكذا القيام لهم ونحو ذلك . ومدار النهي على الظلم ، والجمع باعتبار جمعية المخاطبين ، وقيل : إن ذلك للمبالغة في النهي من حيث إن كونهم جماعة مظنة الرخصة في مداهنتهم مثلا ، وتعقب بأنه إنما يتم أن لو كان المراد النهي عن الركون إليهم من حيث إنهم جماعة وليس كذلك ، - فتمسكم - أي فتصيبكم بسبب ذلك كما تؤذن به الفاء الواقعة [ ص: 148 ] في جواب النهي - النار - وهي نار جهنم ، وإلى التفسير الثاني - وما أصعبه على الناس اليوم بل في غالب الأعاصير من تفسير - ذهب أكثر المفسرين ، قالوا : وإذا كان حال الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء إلى مساس الناس النار ، فما ظنك بمن يميل إلى الراسخين في الظلم كل الميل ، ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتهم ، ويتعب قلبه وقالبه في إدخال السرور عليهم ، ويستنهض الرجل والخيل في جلب المنافع إليهم ، ويتهيج بالتزيى بزيهم ، والمشاركة لهم في غيهم ، ويمد عينيه إلى ما متعوا به من زهرة الدنيا الفانية ، ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية ، غافلا عن حقيقة ذلك ، ذاهلا عن منتهى ما هنالك ، وينبغي أن يعد مثل ذلك من الذين ظلموا لا من الراكنين إليهم ، بناء على ما روي أن رجلا قال لسفيان : إني أخيط للظلمة فهل أعد من أعوانهم ؟ فقال له : لا ، أنت منهم ، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم اهـ .

من تأمل أقوال من بعد الزمخشري في تفسير الآية يرى أنهم كلهم قلدوه فيما فسر به الركون ، وهو غلط منه كما حققته في أول تفسير الآية ، وأنه هو مشتق من الركون وهو الجانب القوي من البناء ومن كل شيء ، فمعنى الركون إليهم الاستناد إليهم والاعتماد على ولايتهم ونصرهم إلخ . وفي تفسير - الذين ظلموا - بالذين وقع منهم ظلم ما هو غلط أيضا ، وإنما هو في الكلام على الأقوام كالوصف باسم الفاعل ، فقوله - تعالى - : - إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون - 2 : 6 معناه : جماعة الكافرين الراسخين في الكفر لا من وقع منهم كفر ما إلى آخر ما تقدم .

( 11 ) أختم هذه النقول بما أورده السيد محمد صديق حسن خان نائب ملك بهوبال ( الهند ) المتوفى سنة 1307 هـ وفي تفسيره ( فتح البيان في مقاصد القرآن ) الذي أودعه تفسير أستاذه القاضي الشوكاني المسمى ( بفتح القدير ) وزاد عليه ، فكان ما أورده عنه مغنيا عن أصله .

فقد اتفق المفسران على تخطئة الزمخشري ومن تبعه في تفسير الركون بالميل اليسير ، وأوردا بعض ما قاله رواة التفسير واللغة في معناه مخالفا له ، مما نقلناه وزنا عليه ، وانفردنا بتحقيق معناه دونهم ودونهما ، ثم انفردا بالبحث الآتى بنصه قال :

" وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية ، هل خاصة بالمشركين أو عامة ؟ فقيل : خاصة ، وأن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين وأنهم المرادون بـ - الذين ظلموا - وقد روي ذلك عن ابن عباس ، وقيل : إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم ، وهذا هو الظاهر من الآية ، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

[ ص: 149 ] ( فإن قلت ) : وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر ، الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة ، بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء ، حتى ورد في بعض ألفاظ الصحيح : " أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة " وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة ، وما لم يظهر منهم الكفر البواح ، ولم يأمروا بمعصية الله ، وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مراتبه ، وفعلوا أعظم أنواعه ، مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح ، فإن طاعتهم واجبة حيث لم يكن ما أمروا به من معصية الله ، ومن جملة ما يأمرون به تولي الأعمال لهم ، والدخول في المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها من معصية الله ، ومن جملة ما يأمرون به الجهاد ، وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا ، وإقامة الشريعة بين المتخاصمين منهم ، وإقامة الحدود على من وجبت عليه .

" وبالجملة فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم في كل ما يأمرون به ما لم يكن من معصية الله ، ولابد في مثل ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم ونحو ذلك مما لابد منه ، ولا محيص عن هذا الذي ذكرنا من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به ، بل قد ورد به الكتاب العزيز : - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم - 4 : 59 بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا ، كما في بعض الأحاديث الصحيحة " أعطوهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم " ورد الأمر بطاعة السلطان وبالغ في ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال : " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون ، فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون ، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا وباطنا فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر لأمر يقتضي ذلك شرعا كالطاعة أو التقية ، ومخافة الضرر منهم أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة ، أو دفع مفسدة عامة ، أو إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضى بأفعالهم اهـ .

( قلت ) : أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها ، حيث لم تكن في معصية الله ، فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها ، مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها ، ولا شك في هذا ولا ريب ، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها إليهم ، مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها ، إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه فذلك واجب عليه ، فضلا عن أن يقال جائز له .

وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة ، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين الأدلة ، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة ، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة ، مع كراهة ما هم عليه من الظلم [ ص: 150 ] وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم ، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة ، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد ، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، ولا يخفى على الله خافية .

وبالجملة : فمن ابتلي بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع ، فإن زاغ عن ذلك " فعلى نفسها براقش تجني " ، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به . يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين ، اجعلنا من عبادك الصالحين ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، الذين لا يخافون فيك لومة لائم ، وقونا على ذلك ، ويسره لنا ، وأعنا عليه اهـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث