الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( الخامسة : حجة الرسل على أقوامهم بإخلاصهم لله وعدم طلب أجر على عملهم ) :

                          هذه المسألة مكررة في القرآن ، ومن الشواهد عليها هنا حكاية عن نوح قوله - تعالى - : - ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله - 29 وتقدم عنه معناه في سورة يونس ، وسيأتي مثله في سورة الشعراء بلفظ الأجر ( ومنها ) عن هود : - ياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون - 51 ، وراجع مثل هذا عن الرسل في سورة الشعراء ( 26 : 109 و 127 و 145 و 164 و 180 ) .

                          وقد تكرر هذا عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - في عدة سور : الأنعام ( 6 : 90 ) ويوسف ( 12 : 104 ) والشورى ( 42 : 23 ) ونص هذه الأخيرة بعد تبشير الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات : - ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور - والاستثناء في هذه الآية منقطع ، والمعنى : لا أسألكم عليه أجرا البتة ، سنة الله في النبيين المرسلين ، ولكن أسألكم المودة في أولي القربى لكم وصلة أرحامكم ، وكانت هذه الوصية مما يحمدونه من هدي الإسلام لتعصبهم لأنسابهم ، ويفسرها قوله - تعالى - : - قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد - 34 ، 74 .

                          ولكن الشيعة جعلوا الاستثناء متصلا ، وفسروا المودة في القربي بمودة قرابته - صلى الله عليه وسلم - وخصوها بابن عمه علي وذريته عليهم السلام ، دون عمه العباس وذريته وسائر ذرية أعمامه ، واشتهر هذا التأويل الباطل في كتب التفسير والمناقب ودواوين الشعر ، وجعلوه عهدا من الله عاهد عليه المؤمنين كما قال شاعر العراق في عصره عبد الباقي العمري :


                          وعهد لا أسألكم عليه من أجر لمن به الولا قد وجبا



                          وهذا التأمل تحريف للقرآن وطعن شنيع على رسول الله وخاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - بإخراجه من سنة الله - تعالى - في جميع رسله بأنهم يبلغون رسالاته لوجهه الكريم ، [ ص: 175 ] لا يسألون عليه أجرا لأنفسهم ولا لأولي قرباهم ، وأنه هو الذي انفرد بطلب الأجر لأولي قرباه ، ( وحاشاه ) وهل يسعى جميع طلاب الدنيا إلا لذرياتهم ؟ وللتنزه عن هذه الشبهة حرم الله - تعالى - الصدقة على آل رسوله ، وهم بنو هاشم ومن كان يواليهم من بني المطلب دون إخوتهم من بني أمية وبني عبد شمس الذين كانوا يعادونهم ، وموالاة علي وآله واجبة لا خلاف فيها ، ولا حاجة إلى الاستدلال عليها بهذا التحريف للقرآن بباطل التأويل للآيات المحكمات اللاتي هن أم الكتاب .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية