الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( العاشر من محرمات الطعام ما ذبح على النصب ) قال الراغب في مفرداته : نصب الشيء : وضعه وضعا ناتئا ; كنصب الرمح والبناء والحجر ، والنصيب الحجارة تنصب على الشيء ، وجمعه نصائب ونصب بضمتين ، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها ، قال : كأنهم إلى نصب يوفضون ( 70 : 43 ) . قال : وما ذبح على النصب ( 5 : 3 ) وقد يقال في جمعه : أنصاب . قال : والأنصاب والأزلام ( 5 : 90 ) . اهـ . وقال في اللسان : والنصب ( بالفتح ) والنصب ( بالضم ) والنصب ( بضمتين ) : الداء والبلاء والشر ، وفي التنزيل : مسني الشيطان بنصب وعذاب ( 38 : 41 ) . والنصيبة والنصب بضمتين : كل ما نصب فجعل علما . وقيل : النصب جمع نصيبة كسفينة وسفن ، وصحيفة وصحف . الليث : النصب : جماعة النصيبة ، وهي علامة تنصب للقوم ، والنصب بالفتح والنصب بضمتين : العلم المنصوب ، وفي التنزيل : كأنهم إلى نصب يوفضون ( 70 : 43 ) قرئ بهما جميعا ، وقيل : النصب بالفتح : الغاية ، والأول أصح ، قال أبو إسحاق : من قرأ " إلى نصب " بالفتح ; فمعناه : إلى علم منصوب يسبقون إليه ، ومن قرأ " إلى نصب " بضمتين ; فمعناه : إلى أصنام ; كقوله وما ذبح على النصب ونحو ذلك قال الفراء ، قال : والنصب بالفتح واحد ، وهو مصدر ، وجمعه الأنصاب ، والينصوب : علم ينصب في الفلاة . والنصب والنصب : كل ما عبد من دون الله تعالى ، والجمع : أنصاب . الجوهري : والنصب بالفتح : ما نصب ، فعبد من دون الله تعالى ، وكذلك النصب بالضم ، وقد يحرك مثل عسر . اهـ .

وقال ابن جرير : والنصب : الأوثان من الحجارة ، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض ، فكان المشركون يقربون لها ، وليست بأصنام ، وكان ابن جريج يقول في صفته ، وذكر سنده إليه : النصب ليست بأصنام ، الصنم يصور وينقش ، وهذه حجارة [ ص: 122 ] تنصب ثلاثمائة وستون حجرا ، منهم من يقول الثلاثمائة منها بخزاعة ، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت ، وشرحوا اللحم ، وجعلوه على الحجارة . قال المسلمون : يا رسول الله ، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم ، فنحن أحق أن نعظمه ، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكره ذلك فأنزل الله : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ( 22 : 37 ) ثم أيد ابن جرير قول ابن جريج بما رواه عن غيره من المفسرين ، ومنه قول مجاهد : النصب : حجارة حول الكعبة تذبح عليها أهل الجاهلية ، ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أحب إليهم منها . وقول قتادة : والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك . وقول ابن عباس : أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها .

فعلم من هذه النصوص أن ما ذبح على النصب هو من جنس ما أهل به لغير الله ، من حيث إنه يذبح بقصد العبادة لغير الله - تعالى - ولكنه أخص منه ، فما أهل به لغير الله قد يكون لصنم من الأصنام بعيدا عنه وعن النصب ، وما ذبح على النصب لا بد أن يذبح على تلك الحجارة أو عندها وينشر لحمه عليها .

فعلم من هذا ومما قبله أن المحرمات عشرة بالتفصيل ، وأربعة بالإجمال ، وكما خص المنخنقة وما عطف عليها من الميتات بالذكر بسبب خاص معروف ; لئلا يغتر أحد باستباحة بعض أهل الجاهلية لها - خص ما ذبح على النصب بالذكر لإزالة وهم من توهم أنه قد يحل بقصد تعظيم البيت الحرام إذا لم يذكر اسم غير الله عليه ، وحسبك أنه من خرافات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها .

ثم عطف على محرمات الطعام التي كان أهل الجاهلية يستحلونها عملا آخر من خرافاتهم ; فقال : وأن تستقسموا بالأزلام أي وحرم عليكم أن تطلبوا علم ما قسم لكم - أو ترجيح قسم من مطالبكم على قسم - بالأزلام كما تفعل الجاهلية ، وجعل بعضهم هذا من محرمات الطعام كما يأتي ، والزلم - محركة - كصرد ; أي بضم ففتح : قدح لا ريش عليه وسهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية ، جمعه أزلام ، قاله في القاموس ، والمراد أنها قطع من الخشب بهيئة السهم إلا أنها لا يلصق عليها الريش الذي يلصق على السهم الذي يرمى به ; ليحمله الهواء ، ولا يركب فيها النصل الذي يجرح ما يرمى به من صيد وغيره ، قال بعضهم : كانت الأزلام ثلاثة مكتوب على أحدها : " أمرني ربي " وعلى الثاني : " نهاني ربي " والثالث غفل ليس عليه شيء ، فإذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا أو غير ذلك ، أجال هذه الأزلام ، فإن خرج له الزلم المكتوب عليه " أمرني ربي " مضى لما أراد ، وإن خرج المكتوب عليه " نهاني ربي " أمسك عن ذلك ، ولم يمض فيه ، وإن خرج ( الغفل الذي لا كتابة عليه ) : أعاد الاستقسام .

وروى ابن جرير عن الحسن ، قال : كانوا إذا أرادوا أمرا أو سفرا [ ص: 123 ] يعمدون إلى قداح ثلاثة ، على واحد منها مكتوب " اؤمرني " وعلى الآخر " انهني " ويتركون الآخر محللا بينهما ليس عليه شيء ، ثم يجيلونها فإن خرج الذي عليه " اؤمرني " مضوا لأمرهم ، وإن خرج الذي عليه " انهني " كفوا ، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها . وروي عن آخرين في الكتابة كلمات أخرى بمعنى ما ذكرنا ، وعن السدي أنها كانت تكون عند الكهان ; فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوج أو يحدث أمرا أتى الكاهن فأعطاه شيئا فضرب له بها ، فإن خرج شيء يعجبه منها أمره ففعل ، وإن خرج شيء يكرهه نهاه فانتهى ، كما ضرب عبد المطلب على زمزم ، وعلى عبد الله والإبل .

وعن ابن إسحاق قال : كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة ، وكانت في بئر في جوف الكعبة ، وكانت تلك البئر التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة ، وكانت عند هبل سبعة أقداح كل قدح منها فيه كتاب ، أي : ( كتابة شيء ) وبينه بقوله : قدح فيه العقل ( أي دية القتيل ) إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ؟ ضربوا بالقداح السبعة ، وقدح فيه " نعم " للأمر إذا أرادوه ، يضرب به ( أي : يجال في سائر القداح ) فإن خرج قدح " نعم " عملوا به ، أو قدح فيه " لا " فإذا أرادوا أمرا ضربوا في القداح ، فإن خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر ، وقدح فيه " منكم " وقدح فيه " ملصق " وقدح فيه " من غيركم " وقدح فيه المياه ; إذا أرادوا أن يخرجوا للماء ضربوا بالقداح وفيها تلك القداح ، فحيث ما خرج عملوا به . وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما ، أو أن ينكحوا منكحا ، أو أن يدفنوا ميتا ، أو يشكوا في نسب واحد منهم ، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وبجزور - بعير يجزر - فأعطاها صاحب القداح الذي يضربها ، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا : يا إلهنا ، هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا ، فأخرج الحق فيه ، ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب . فيضرب فإن خرج عليه " من غيركم " كان حليفا ، وإن خرج عليه " ملصق " كان على ميراثه منهم ، لا نسب له ولا حلف ، وإن خرج فيه سوى هذا مما يعملون به : " نعم " عملوا به ، وإن خرج " لا " أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى ، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح . اهـ .

والظاهر من اختلاف الروايات أنه كان يكون عند بعض الكهنة أزلام غير السبعة التي عند هبل ، التي يفصل فيها في كل الأمور المهمة ، وأنهم كانوا يتعرفون قسمتهم وحظهم ، أو يرجحون مطالبهم بغير ذلك من اللعب الذي يسكن به اضطراب نفوس أصحاب الأوهام ، وفسر مجاهد الأزلام : بكعاب فارس والروم التي يقمرون بها ، وسهام العرب ، وقال الأزهري : الأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها : أمر ونهي ، وافعل ولا تفعل ، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت ، فإذا أراد أحد سفرا [ ص: 124 ] أو نكاحا أتى السادن وقال : أخرج لي زلما ، فيخرجه وينظر إليه . إلخ . قال : وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه ، فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما . اهـ . وهذا محل الشاهد ، وقال بعضهم : إن الأزلام قداح الميسر . وقال بعضهم : إنها النرد والشطرنج . والجمهور على القول الأول ، وقد بينا سهام الميسر في تفسير يسألونك عن الخمر والميسر ( 2 : 219 ) وهي عشرة ، لها أسماء لسبعة ، منها أنصبة متفاوتة ، فليراجعه من شاء ( ص 258 ج2 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ) واللعب بالنرد ونحوه ليس استقساما ، وقد يستقسم به .

أما سبب تحريم الاستقسام فقد قيل : إنه ما فيه من تعظيم الأصنام ، ويرده أن التحريم عام يشمل ما كان عند الأصنام وما لم يكن ; كالزلمين اللذين يحملهما الرجل معه في رحله ، وقيل : لأنه طلب لعلم الغيب الذي استأثر الله به ، ويرده أنه لم يكن يطلب بها علم الغيب في مثل الأمر والنهي ، على أن جعل هذا محرما وعلة للتحريم ، غير ظاهر ، وصرح بعضهم برده ، وقيل : لأن فيها افتراء على الله إن أرادوا بقولهم " أمرني ربي " الله عز وجل ، وجهلا وشركا إن أرادوا به الصنم ، ويرد بأن هذا رواية عن بعض الأزلام لا عن كلها .

والصواب أن هذا قد حرم لأنه من الخرافات والأوهام التي لا يركن إليها إلا من كان ضعيف العقل يفعل ما يفعل من غير بينة ولا بصيرة ، ويترك ما يترك عن غير بينة ولا بصيرة ، ويجعل نفسه ألعوبة للكهنة والسدنة ، ويتفاءل ويتشاءم بما لا فأل فيه ولا شؤم ، فلا غرو أن يبطل ذلك دين العقل والبصيرة والبرهان ، كما أبطل التطير والكهانة والعيافة والعرافة وسائر خرافات الجاهلية ، ولا يليق ذلك كله إلا بجهل الوثنية وأوهامها .

ومما يجب الاعتبار به في هذا المقام أن صغار العقول كبار الأوهام في كل زمان ومكان ، وعلى عهد كل دين من الأديان ، يستنون بسنة مشركي الجاهلية ، ولا تطمئن قلوبهم إلا بخرافات الوثنية ، فإن لم يستقسموا بالأزلام استقسموا بما هو مثلها وما في معناها ، ولكنهم يسمون عملهم هذا اسما حسنا ، كما يفعل بعض المسلمين حتى عصرنا هذا بالاستقسام بالسبح وغيرها ، ويسمونه استخارة وما هو من الاستخارة التي ورد الإذن بها في شيء ، وقد يسمونه أخذ الفأل ، وذلك أنهم يقتطعون طائفة من حب السبحة ويحولونه حبة بعد أخرى ، يقولون " افعل " على واحدة ، و " لا تفعل " على أخرى ، ويكون الحكم الفصل للحبة الأخيرة ، وبعضهم يقول كلمات أخرى بهذا المعنى ، تختلف كلماتهم كما كانت تختلف كلمات سلفهم من الجاهلية ، والمعنى والمقصد واحد ، ومنهم من يستقسم بورق اللعب الذي يقامرون به أحيانا ، ومنهم من يأخذ الفأل بفصوص النرد - الطاولة - وأمثاله من أدوات اللعب ، وفصوص النرد هذه هي كعاب الفرس التي أدخلها مجاهد في الأزلام ، وجعلها كسهام العرب في التحريم سواء ، وقد ورد في الأحاديث ما يؤيد تحريمها ، ومنهم من يستقسم [ ص: 125 ] ، أو يأخذ الفأل أو الاستخارة - كما يقولون - بالقرآن العظيم ; فيصبغون عملهم بصبغة الدين ، وهو يتوقف على النص ; لأن الزيادة في الدين كالنقص منه ، وهل يحل عمل الجاهلية بتغيير صورته ؟ ويلبس الباطل ثوب الحق فيصير حقا ؟ اللهم إنك أنزلت القرآن هدى للمتقين ، فترك قوم الاهتداء ، وحرموه على أنفسهم ، واكتفوا مما يدعون من الإيمان به والتعظيم له ، بالاستقسام به كما كانت الجاهلية تستقسم بالأزلام ، أو الاستشفاء بمداد تكتب به آياته في كاغد أو جام ، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبهم في الآخرة ، فقد كفانا ما أصاب الأمة بضلالهم في هذه الحياة العاجلة ، اللهم واجعل لنا فرجا ومخرجا من فتنتهم وفتنة من تركوا الدين كله استنكافا من خرافاتهم وخرافات أمثالهم .

وليعلم القارئ أن العادة والإلف يجعلان البدعة معروفة كالسنة ، والسنة منكرة كالبدعة ، فما حاول أحد إماتة بدعة أو إحياء سنة ، إلا وأنكر الناس عليه عمله باسم الدين ، ولا طال العهد على بدعة ، إلا وتأولوا لفاعليها وانتحلوا لها مسوغا من الدين ، ومن ذلك زعم بعضهم أن ما يفعله بعض الناس من الاستقسام بالسبح وغيرها يصح أن يعد من الفأل الحسن . وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة ، والحاكم عن عائشة ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعجبه الفأل الحسن ، وما هو منه ، إنما الفأل ضد الطيرة التي نفتها وأبطلتها الأحاديث الصحيحة ، وهو أن يسمع الإنسان اسما حسنا أو كلمة خير ، فينشرح لها صدره وينشط فيما أخذ فيه ، وقيل : يكون الفأل في الحسن والرديء . والطيرة بوزن عنبة ما يتشاءم به من الفأل الرديء ، هذه عبارة القاموس ، وهي من الطائر ; إذ كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بحركة الطير ذات اليمين وذات الشمال حتى صار زجر الطير عندهم صناعة ، قال في القاموس : والطائر الدماغ ، وما تيمنت به أو تشاءمت . اهـ . وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا طيرة " في حديث الصحيحين يبطل حسن الطيرة ورديئها ; لأنه خرافة مبنية على الاستدلال على الحسن والقبح بما لا يدل عليه عقلا ولا شرعا ولا طبعا ، لا فرق في التطير بين أن يكون بحركة الطير أو بغيرها من الأقوال والأفعال .

وهذه الطيرة قديمة العهد في العرب ، وقد أبطلها الله - تعالى - قبل الإسلام على لسان نبيه صالح عليه السلام ، كما بين لنا ذلك في مجادلته لقومه ( ثمود ) في سورة النمل ، قال تعالى : قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ( 27 : 47 ) والاستقسام بالأزلام أو غيرها شر من التطير الذي يقع للإنسان من غير سعي إليه ، والفرق واضح بين الخرافات والأوهام التي تؤثر في نفس الإنسان عرضا لقلة عقله ، أو تأثره بأحوال من تربى بينهم ، وبين ما يسعى إليه منها ، ويستثيره باختياره ، ويجعله حاكما على قلبه ، فيعمل [ ص: 126 ] بأمره ونهيه . وإذا صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تساهل مع أصحابه ، وأقرهم على التفاؤل بالكلمة الطيبة ، ولم يعد هذا من الطيرة ; لعلمه بأنه أزال تلك العقائد الوهمية الباطلة من نفوسهم ، فلم تبق حاجة للتشديد عليهم فيما ينشرح له الصدر - فهذا التساهل لا يدل على جواز استقسام الجاهلية المحرم قطعا بنص القرآن الصريح ; لتغير المستقسم به ، فإن تحريم الاستقسام ليست علته أنه بالأزلام ، بل إنه من الأباطيل والأوهام ، وأي فرق بين خشبات الأزلام وخشبات السبحة ، أو غير ذلك من حبها ؟

وأغرب من ذلك جعل الاستقسام من قبيل الاستخارة ; إذ استحله بعض الدجالين بإطلاق اسمها عليه ، وجعله بعضهم من قبيل القرعة المشروعة ، وكل هذا من قياس الشيطان ، والحكم في دين الله بالهوى دون بينة ولا سلطان .

بيان ذلك أن الإسلام دين البصيرة والعقل والبينة والبرهان ، وآيات القرآن الكثيرة ناطقة بذلك : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( 2 : 111 ) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ( 8 : 42 ) قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( 6 : 148 ) إلخ . وإرشاد القرآن ، وهديه في الحث على الأخذ بالدليل والبرهان عام يشمل جميع شئون الإنسان ، ولما كانت الدلائل والبينات تتعارض في بعض الأمور ، والترجيح بينها يتعذر في بعض الأحيان ، فيريد الإنسان الشيء فلا يستبين له : آلإقدام عليه خير أم تركه ؟ فيقع في الحيرة - جعلت له السنة مخرجا من ذلك بالاستخارة حتى لا يضطرب عليه أمره ولا تطول غمته ، وذلك المخرج هو الاستخارة ، وهي عبارة عن التوجه إلى الله ، عز وجل ، والالتجاء إليه بالصلاة والدعاء بأن يزيل الحيرة ويهيئ وييسر للمستخير الخير ، وجدير هذا بأن يشرح الصدر لما هو خير الأمرين ، وهذا هو اللائق بأهل التوحيد ، أن يأخذوا بالبينة والدليل الذي جعله الله - تعالى - مبينا للخير والحق ، فإن اشتبه على أحدهم أمر التجأ إلى الله تعالى ، فإذا شرح صدره لشيء أمضاه وخرج به من حيرته ، والقرعة تشبه ذلك ، بل أمرها أظهر ، فإنها إنما تكون للترجيح بين المتساويين قطعا ، كالقسمة بين اثنين ، فإنه لا وجه لإلزام من تقسم بينهما بأن يأخذ زيد منهما هذه الحصة ، وعمرو الأخرى ; فالقرعة طريقة حسنة عادلة ، وقس على هذا ما يشبهه .

والذي صح في الاستخارة ما رواه الجماعة ( أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربع ) من حديث جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني [ ص: 127 ] ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني به قال : ويسمي حاجته . وهذا لفظ البخاري ، والخلاف في ألفاظ رواياته قليل ; كأرضني به من الإرضاء ، ورضني من الترضية .

ليس في هذه الرواية التي رواها الجماعة إشارة ما إلى معنى يقرب من معنى الاستقسام ولا التفاؤل ، بل هي أمر بعبادة ودعاء عند الاهتمام بالأمر والعزم عليه حتى لا ينسى المؤمن ربه - تعالى - عند اهتمامه بالشأن من شئون الدنيا ، وما بيناه من فقه الاستخارة وحكمتها في بدء الكلام عنها مبني على ما اشتهر من معناها عند الجمهور ، ولا أعرف له أصلا صحيحا في السنة ، ولكن روى ابن السني ، في عمل يوم وليلة ، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس : إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخيرة فيه ، قال النووي فيه : إنه يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره ، لكنه لا يقدم على ما كان له فيه هوى قبل الاستخارة ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعد ما عزى الحديث إلى ابن السني : لو ثبت لكان هو المعتمد ، ولكن سنده واه جدا . اهـ . أقول : وآفته إبراهيم بن البراء ، ضعفوه جدا ، بل قال ابن حبان فيه : شيخ كان يدور بالشام ويحدث عن الثقات بالموضوعات ، لا يجوز ذكره إلا على سبيل القدح فيه .

ثم قال تعالى : ذلكم فسق . ذهب ابن جرير في تفسيره إلى أن الإشارة هنا راجعة إلى جميع ما سبق من المحرمات ، أي كل محرم منها خروج من طاعة الله ، ورغبة عن شرعه ، وذكر الرازي فيه وجها آخر ، وهو أنه راجع إلى الأخير فقط ، وهو الاستقسام بالأزلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث