الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور

جزء التالي صفحة
السابق

( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ) أي وفرضنا على بني إسرائيل من العقوبات في التوراة أن النفس تؤخذ أو تقتل بالنفس إذا قتلت عمدا بغير حق ، وقدر الجمهور مقتولة أو مقتصة بها ، والعين تفقأ بالعين ، والأنف يجدع بالأنف ، والأذن تصلم بالأذن ، والسن تقلع بالسن ; أي أن هذه الأعضاء والجوارح المتماثلة هي كالنفس في كون جزاء المعتدي على شيء منها مثل ما فعل ; [ ص: 331 ] لأنه هو العدل . وقد قرأ الكسائي : العين والأنف والأذن والسن بالرفع ; أي ، وكذلك العين بالعين . . . إلخ . ولهم في إعرابها عدة وجوه . وقرأها الجمهور بالنصب عطفا على النفس .

( والجروح قصاص ) قرأ الكسائي : الجروح بالرفع أيضا ، والجمهور بالنصب ; أي ذوات قصاص ، تعتبر في جزائها المساواة بقدر الاستطاعة ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) أي فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص بأن عفا عن الجاني فهذا التصدق كفارة له يكفر الله بها ذنوبه ويعفو عنه كما عفا عن أخيه .

( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وكل من كان بصدد الحكم في شيء من هذه الجنايات فأعرض عما أنزل الله من القصاص المبني على قاعدة العدل والمساواة بين الناس ، وحكم بهواه أو بحكم غير حكم الله فضله عليه - فهو من الظالمين حتما ؛ إذ الخروج عن القصاص لا يكون إلا بتفضيل أحد الخصمين على الآخر ، وهضم حق المفضل عليه وظلمه .

أما مصداق هذا القصاص من التوراة التي في الأيدي ، فهو في الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج ، ففيه بعد عدة ذنوب توجب القتل ما نصه : ( 23 وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس 24 وعينا بعين ، وسنا بسن ، ويدا بيد ، ورجلا برجل 25 ، وكيا بكي ، وجرحا بجرح ، ورضا برض ) يوضحه قوله في الفصل ( 24 ) من سفر اللاويين ( 17 وإذا أمات أحد إنسانا فإنه يقتل 18 ، ومن أمات بهيمة يعوض عنها نفسا بنفس 19 وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبا فكما فعل كذلك يفعل به 20 كسر بكسر ، وعين بعين ، وسن بسن ، كما أحدث عيبا في الإنسان كذلك يحدث فيه ) فصرح بعموم القصاص بالمثل فدخل فيه الأذن والأنف ، وأما العفو فلا أذكر له نقلا عن التوراة ، وإنما جاء في وعظ المسيح على الجبل من إنجيل متى ، أنه ذكر مسألة العين بالعين ، والسن بالسن ، ووصى بألا يقاوم الشر بالشر ، وهو أمر بالعفو ، ولكن الذين يدعون اتباعه في هذا العصر هم أشد أهل الأرض انتقاما ومقاومة للشر بأضعافه ، إلا قليلا من الأفراد الذين أخفاهم الزمان في زوايا بعض البلاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث