الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


السادس : البحث عن الأصلي والزائد ، ومن هذا قوله تعالى : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ( البقرة : 237 ) فإنه قد نتوهم الواو في الأولى ضمير الجمع ، فيشكل ثبوت النون مع " أن " وليس كذلك ; بل الواو هنا لام الكلمة ، والنون ضمير جمع المؤنث ، فبنى الفعل معها على السكون ; فإذا وصل الناصب أو الجازم لا تحذف النون ، ومثله : " النساء يرجون " بخلاف " الرجال يرجون " ; فإن الواو فيه ضمير الجمع ، والنون حرف علامة للرفع ، وأصله " يرجوون " أعلت لام الكلمة بما يقتضيه التصريف ، فإذا دخل الجازم حذف النون ، وهذا مما اتفق فيه اللفظ واختلف في التقدير .

وكذلك يبحث عما تقتضيه الصناعة في التقدير ، ولا يؤخذ بالظاهر ، ففي نحو قوله تعالى : لا مرحبا بهم ( ص : 59 ) يتبادر إلى الذهن أن مرحبا نصب اسم " لا " ، وهو فاسد ; لأن شرط عملها في الاسم ألا يكون معمولا لغيرها ; وإنما نصب بفعل مضمر يجب إضماره و ( لا ) دعاء ، و ( بهم ) بيان للمدعو عليهم ، وأجاز أبو البقاء أن ينصب على المفعول به ، أي : لا يسمعون مرحبا ، وأجاز في جملة : لا مرحبا أن تكون مستأنفة ، وأن تكون حالا ، أي : هذا فوج مقولا له : لا مرحبا وفيه نظر ; لأنه قدر " مقولا " فمقولا هو الحال ، و لا مرحبا محكية بالقول في موضع نصب .

[ ص: 416 ] ومنه قوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله ( الحجرات : 7 ) يتبادر إلى الذهن أن الظرف قبله خبر " أن " على التقديم ، وهو فاسد ; لأنه ليس المراد الإخبار بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم ، وإنما الغرض أنه لو أطاعكم في كثير من الأمر لعنتم ، وإنما فيكم حال ، والمعنى : واعلموا أن رسول الله في حال كونه فيكم لو أطاعكم لكان كذا .

ومنه قوله تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا ( فاطر : 36 ) ، وقوله : ولا يؤذن لهم فيعتذرون ( المرسلات : 36 ) فإن الجواب وقع فيهما بعد النفي مقرونا بالفاء ، وفي الأولى حذفت النون ، وفي الثانية أثبتها ، فما الفرق بينهما ؟ وجوابه أن حذف النون جوابا للنفي هو على أحد معنيي نصب " ما تأتينا فتحدثنا " أي : ما يكون إتيان ولا حديث ، والمعنى الثاني إثبات الإتيان ونفي الحديث ، أي : ما تأتينا محدثا ، أي : تأتينا غير محدث وهذا لا يجوز في الآية . وأما إثبات النون فعلى العطف .

وقريب من ذلك قوله تعالى : أبشرا منا واحدا نتبعه ( القمر : 24 ) ، وقوله : أبشر يهدوننا ( التغابن : 6 ) حيث انتصب بشرا في الأول ، وارتفع في الثاني ، فيقال : ما الفرق بينهما ؟ والجواب : أن نصب بشرا على الاشتغال ، والشاغل للعامل منصوب ، فصح لعامله أن يفسر ناصبا ، وأما في الثانية فالشاغل مرفوع مفسر رافعا ، وهذا كما تقول : أزيد قام ؟ فزيد مرفوع على الفاعلية ; لطلب أداة الفعل ، فهذا في الاشتغال ، والشاغل مرفوع ، وتقول فيما الشاغل فيه منصوب :أزيدا ضربته ؟

وقريب منه إجماع القراء على نصب " قليل " في : فشربوا منه إلا قليلا ( البقرة : 49 ) اختلفوا في ما فعلوه إلا قليل ( النساء : 66 ) ، وإنما كان كذلك لأن قليلا الأول استثناء من موجب ، والثاني استثناء من منفي .

فإن قيل : فلم أجمعوا على النصب في فلا يؤمنون إلا قليلا ( النساء : 46 ) مع أنه استثناء من غير موجب ؟ قيل : لأن هذا استثناء مفرغ ، وهو نعت لمصدر محذوف ، فالتقدير : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا .

ومثله : وكلا وعد الله الحسنى في سورة " الحديد " ( الآية : 10 ) قرأها ابن عامر برفع [ ص: 417 ] كل ووافق الجماعة على النصب في " النساء " ( الآية : 95 ) ، والفرق أن الذي في سورة " الحديد " شغل الخبر بهاء مضمرة ، وليس قبل هذه الجملة جملة فعلية ، فيختار لأجلها النصب ، فرفع بالابتداء ، وأما التي في سورة " النساء " فإنما اختير فيها النصب ; لأن قبله جملة فعلية ، وهي قول الله تعالى : وفضل الله المجاهدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث