الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 81 ] النوع التاسع والعشرون

في آداب تلاوته وتاليه وكيفية تلاوته ورعاية حق المصحف الكريم

اعلم أنه ينبغي لمح موقع النعم على من علمه الله تعالى القرآن العظيم أو بعضه ، [ ص: 82 ] بكونه أعظم المعجزات ، لبقائه ببقاء دعوة الإسلام ، ولكونه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان لأنه كلام رب العالمين ، وأشرف كتبه جل وعلا ، فلير من عنده القرآن أن الله تعالى أنعم عليه نعمة عظيمة ، وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه ; لأن القرآن مشتمل على طلب أمور ، والكف عن أمور ، وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم ، وأهلكوا لما عصوا ، وليحذر من علم حالهم أن يعصي ، فيصير مآله مآلهم ; فإذا استحضر صاحب القرآن علو شأنه بكونه ظرفا لكتاب الله تعالى ، وصدره مصحفا له انكفتت نفسه عند التوفيق عن الرذائل ، وأقبلت على العمل الصالح الهائل .

وأكبر معين على ذلك حسن ترتيله وتلاوته ، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ورتل القرآن ترتيلا ( المزمل : 4 ) وقال تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ( الإسراء : 106 ) فحق على كل امرئ مسلم قرأ القرآن أن يرتله ، وكمال ترتيله تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه ، والإفصاح لجميعه بالتمديد له حتى يصل بكل ما بعده ، وأن يسكت بين النفس والنفس حتى يرجع إليه نفسه ، وألا يدغم حرفا في حرف ، لأن أقل ما في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها ، وينبغي للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم ; فهذا الذي وصفت أقل ما يجب من الترتيل .

وقيل : أقل الترتيل أن يأتي بما يبين ما يقرأ به ، وإن كان مستعجلا في قراءته ، وأكمله أن يتوقف فيها ما لم يخرجه إلى التمديد والتمطيط ; فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل ، فليقرأه على منازله ، فإن كان يقرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدد ، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم .

وينبغي أن يشتغل قلبه في التفكر في معنى ما يلفظ بلسانه ، فيعرف من كل آية معناها ، [ ص: 83 ] ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها ، فإذا مر به آية رحمة وقف عندها وفرح بما وعده الله تعالى منها ، واستبشر إلى ذلك ، وسأل الله برحمته الجنة ، وإن قرأ آية عذاب وقف عندها وتأمل معناها ، فإن كانت في الكافرين اعترف بالإيمان ، فقال : آمنا بالله وحده وعرف موضع التخويف ، ثم سأل الله تعالى أن يعيذه من النار .

وإن هو مر بآية فيها نداء للذين آمنوا فقال : يا أيها الذين آمنوا وقف عندها ، وقد كان بعضهم يقول : لبيك ربي وسعديك ، ويتأمل ما بعدها مما أمر به ونهي عنه ; فيعتقد قبول ذلك . فإن كان من الأمر الذي قد قصر عنه فيما مضى اعتذر عن فعله في ذلك الوقت واستغفر ربه في تقصيره ، وذلك مثل قوله : ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ( التحريم : 6 ) .

وعلى كل أحد أن ينظر في أمر أهله في صلاتهم وصيامهم وأداء ما يلزمهم في طهاراتهم وجناباتهم ، وحيض النساء ونفاسهن . وعلى كل أحد أن يتفقد ذلك في أهله ، ويراعيهم بمسألتهم عن ذلك ، فمن كان منهم يحسن ذلك كانت مسألته تذكيرا له وتأكيدا لما في قلبه ، وإن كان لا يحسن كان ذلك تعليما له ، ثم هكذا يراعي صغار ولده ويعلمهم إذا بلغوا سبعا أو ثماني سنين ، ويضربهم إذا بلغوا العشر على ترك ذلك ; فمن كان من الناس قد قصر فيما مضى اعتقد قبوله ، والأخذ به فيما يستقبل ، وإن كان يفعل ذلك وقد عرفه ، فإنه إذا مر به تأمله وتفهمه .

وكذلك قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ( التحريم : 8 ) ، فإذا [ ص: 84 ] قرأ هذه الآية تذكر أفعاله في نفسه وذنوبه فيما بينه وبين غيره من الظلامات والغيبة وغيرها ، ورد ظلامته ، واستغفر من كل ذنب قصر في عمله ، ونوى أن يقوم بذلك ويستحل كل من بينه وبينه شيء من هذه الظلامات وغيرها ، من كان منهم حاضرا ، وأن يكتب إلى من كان غائبا ، وأن يرد ما كان يأخذه على من أخذه منه ، فيعتقد هذا في وقت قراءة القرآن حتى يعلم الله تعالى منه أنه قد سمع وأطاع ; فإذا فعل الإنسان هذا كان قد قام بكمال ترتيل القرآن ، فإذا وقف على آية لم يعرف معناها ، يحفظها حتى يسأل عنها من يعرف معناها ; ليكون متعلما لذلك طالبا للعمل به ، وإن كانت الآية قد اختلف فيها ، اعتقد من قولهم أقل ما يكون ، وإن احتاط على نفسه بأن يعتقد أوكد ما في ذلك كان أفضل له وأحوط لأمر دينه .

وإن كان ما يقرؤه من الآي فيما قص الله على الناس من خبر من مضى من الأمم ، فلينظر في ذلك ، وإلى ما صرف الله عن هذه الأمة منه ، فيجدد لله على ذلك شكرا .

وإن كان ما يقرؤه من الآي مما أمر الله به أو نهى عنه ، أضمر قبول الأمر والائتمار ، والانتهاء عن المنهي والاجتناب له ، فإن كان ما يقرؤه من ذلك وعيدا وعد الله به المؤمنين فلينظر إلى قلبه ، فإن جنح إلى الرجاء فزعه بالخوف ، وإن جنح إلى الخوف فسح له في الرجاء ، حتى يكون خوفه ورجاؤه معتدلين ، فإن ذلك كمال الإيمان .

وإن كان ما يقرؤه من الآي من المتشابه الذي تفرد الله بتأويله ، فليعتقد الإيمان به كما أمر الله تعالى ، فقال : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( آل عمران : 7 ) يعني عاقبة الأمر منه ، ثم قال تعالى : وما يعلم تأويله إلا الله ( آل عمران : 7 ) .

وإن كان موعظة اتعظ بها ، فإنه إذا فعل هذا فقد نال كمال الترتيل .

[ ص: 85 ] وقال بعضهم : الناس في تلاوة القرآن ثلاثة مقامات :

الأول : من يشهد أوصاف المتكلم في كلامه ومعرفة معاني خطابه ، فينظر إليه من كلامه ، وتكلمه بخطابه ، وتمليه بمناجاته ، وتعرفه من صفاته ، فإن كل كلمة تنبئ عن معنى اسم أو وصف أو حكم أو إرادة أو فعل لأن الكلام ينبئ عن معاني الأوصاف ، ويدل على الموصوف ، وهذا مقام العارفين من المؤمنين ; لأنه لا ينظر إلى نفسه ، ولا إلى قراءته ، ولا إلى تعلق الإنعام به ، من حيث إنه منعم عليه ، بل هو مقصور الفهم عن المتكلم ، موقوف الفكر عليه ، مستغرق بمشاهدة المتكلم ; ولهذا قال جعفر بن محمد الصادق : لقد تجلى الله لخلقه بكلامه ولكن لا يبصرون .

ومن كلام الشيخ أبي عبد الله القرشي : لو طهرت القلوب لم تشبع من التلاوة للقرآن .

الثاني : من يشهد بقلبه كأنه تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه ، ويتملقه بإنعامه وإحسانه ، فمقام هذا الحياء والتعظيم ، وحاله الإصغاء والفهم ، وهذا لعموم المقربين .

الثالث : من يرى أنه يناجي ربه سبحانه ، فمقام هذا السؤال والتمكن ، وحاله الطلب ; وهذا المقام لخصوص أصحاب اليمين ; فإذا كان العبد يلقى السمع من بين يدي سميعه مصغيا إلى سر كلامه ، شهيد القلب لمعاني صفاته ، ناظرا إلى قدرته ، تاركا لمعقوله ومعهود علمه ، متبرئا من حوله وقوته ، معظما للمتكلم ، متفرغا إلى الفهم ، بحال مستقيم ، وقلب سليم ، وصفاء يقين ، وقوة علم وتمكين ، سمع فصل الخطاب وشهد غيب الجواب ; لأن الترتيل في القرآن ، والتدبر لمعاني الكلام ، وحسن الاقتصاد إلى المتكلم في الإفهام ، والإيقاف على المراد ، وصدق الرغبة في الطلب سبب للاطلاع على المطلع من السر المكنون المستودع .

[ ص: 86 ] وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات ، للعارف من كل جهة مقام ومشاهدات : أولها الإيمان بها ، والتسليم لها ، والتوبة إليها ، والصبر عليها ، والرضا بها ، والخوف منها ، والرجاء إليها ، والشكر عليها ، والمحبة لها ، والتوكل فيها . فهذه المقامات العشر هي مقامات المتقين ، وهى منطوية في كل كلمة يشهدها أهل التمكين والمناجاة ، ويعرفها أهل العلم والحياة ، لأن كلام المحبوب حياة للقلوب ، لا ينذر به إلا حي ، ولا يحيا به إلا مستجيب ، كما قال تعالى : لينذر من كان حيا ( يس : 70 ) وقال تعالى : إذا دعاكم لما يحييكم ( الأنفال : 24 ) .

ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من يتنقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب ( الآية : 35 ) ، أولها مقام المسلمين ، وآخرها مقام الذاكرين ، وبعد مقام الذكر هذه المشاهدات العشر ، فعندها لا تمل المناجاة ، لوجود المصافاة ، وعلم كيف تجلى له تلك الصفات الإلهية في طي هذه الأدوات ، ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف ، لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى ، ولا تمكن لفهم عظيم الكلام إلا على حد فهم الخلق ، فكل أحد يفهم عنه بفهمه الذي قسم له حكمة منه .

قال بعض العلماء : في القرآن ميادين وبساتين مقاصير ، وعرائس ، وديابيج ، ورياض ; فالميمات ميادين القرآن ، والراءات بساتين القرآن ، والحاءات مقاصير القرآن ، والمسبحات عرائس القرآن ، والحواميم ديابيج القرآن ، والمفصل رياضه ، وما سوى ذلك . فإذا دخل المريد في الميادين ، وقطف من البساتين ، ودخل المقاصير ، وشهد العرائس ، ولبس الديابيج ، وتنزه في الرياض ، وسكن غرفات المقامات اقتطعه عما سواه ، وأوقفه ما يراه ، وشغله المشاهدة له عما عداه ; ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ، وغرائبه فروضه وحدوده ، فإن القرآن نزل على خمسة : حلال ، وحرام ، ومحكم ، وأمثال ، ومتشابه ، فخذوا الحلال ، ودعوا الحرام ، واعملوا بالمحكم ، وآمنوا بالمتشابه ، واعتبروا بالأمثال .

[ ص: 87 ] وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن .

قال ابن سبع في كتاب " شفاء الصدر " : هذا الذي قال أبو الدرداء وابن مسعود - لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر ، وقد قال بعض العلماء : لكل آية ستون ألف فهم ، وما بقي من فهمه أكثر ، وقال آخرون : القرآن يحتوي على سبعة وسبعين ألف علم ، إذ لكل كلمة علم ، ثم يتضاعف ذلك أربعا ، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن ، وحد ومطلع .

وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته ، وفى القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث