الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم لا بد من التنبيه على أحكام تختص بهذه الفواتح الشريفة :

الأول : أن البصريين لم يعدوا شيئا منها آية ; وأما الكوفيون فمنها ما عدوه آية ، ومنها ما لم يعدوه آية ، وهو علم توقيفي لا مجال للقياس فيه ; كمعرفة السور ، أما ( الم ) [ ص: 260 ] فآية ، حيث وقعت من السور المفتتحة بها ، وهي ست ، وكذلك ( المص ) ( الأعراف ) آية ، و ( المر ) ( الرعد ) لم تعد آية ، و ( الر ) ليست بآية من سورها الخمس ، و ( طسم ) آية في سورتيها ( الشعراء والقصص ) ، و ( طه ) و ( يس ) آيتان ، و ( طس ) ليست بآية ، و ( حم ) آية في سورها كلها ، و ( حم عسق ) ( الشورى ) آيتان ، و ( كهيعص ) ( مريم ) آية واحدة ، و ( ص ) ( ص ) ، و ( ق ) ( ق ) ، و ( ن ) ( القلم ) ، لم تعد واحدة منها آية ، وإنما عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية ، كما عد ( الرحمن ) ( الرحمن ) وحده ، و ( مدهامتان ) ( الرحمن : 64 ) ، وحدها آيتين على طريق التوقيف .

وقال الواحدي في " البسيط " في أول سورة " يوسف " : " لا يعد شيء منها آية إلا في ( طه ) ، وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رءوس الآي ، فلهذا لم يعد آية ، بخلاف : ( طه ) فإنها تشاكل ما بعدها " .

الثاني : هذه الفواتح الشريفة على ضربين :

أحدهما : ما لا يتأتى فيه إعراب ; نحو : ( كهيعص ) ( مريم ) ، و ( المر ) ( الرعد : 1 ) .

والثاني : ما يتأتى فيه ; وهو إما أن يكون اسما مفردا كـ " ص " و " ق " و " ن " ، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد ; كـ " حم " و " طس " و " يس " ، فإنها موازنة لقابيل وهابيل ، وكذلك " طسم " يتأتى فيها أن تفتح نونها [ ص: 261 ] فتصير " ميما " مضمومة إلى " طس " فيجعلا اسما واحدا ، كـ " دارابجرد " ، فالنوع الأول محكي ليس إلا ، وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران : الإعراب والحكاية .

الثالث : أنه يوقف على جميعها وقف التمام ; إن حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده ، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ، وينعق بها كما ينعق بالأصوات ، أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف ; كقوله تعالى : ( الم الله ) ( آل عمران ) ، أي : هذه السورة " الم " ، ثم ابتدأ فقال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .

الرابع : أنها كتبت في المصاحف الشريفة على صورة الحروف أنفسها ، لا على صورة أساميها ; وعلل ذلك بأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف ، واستمرت العادة متى تهجيت ، ومتى قيل للكاتب : اكتب كيت وكيت ، أن يلفظ بالأسماء ، وتقع في الكتابة الحروف أنفسها ; فحمل على ذلك للمشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح . وأيضا فإن شهرة أمرها وإقامة ألسن الأحمر والأسود لها ، وأن اللافظ بها غير متهجاة لا يجيء بطائل فيها ، وأن بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده ، أمنت وقوع اللبس فيها . وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء ، ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان ; لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف .

أشار إلى هذه الأحكام المذكورة صاحب " الكشاف " .

وقد اختلف الناس في الحروف المقطعة أوائل السور على قولين :

أحدهما : أن هذا [ ص: 262 ] علم مستور ، وسر محجوب ، استأثر الله به ، ولهذا قال الصديق - رضي الله عنه - : " في كل كتاب سر ، وسره في القرآن أوائل السور " . قال الشعبي : " إنها من المتشابه ، نؤمن بظاهرها ، ونكل العلم فيها إلى الله - عز وجل - " .

قال الإمام الرازي : " وقد أنكر المتكلمون هذا القول ، وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق ; لأن الله تعالى أمر بتدبره ، والاستنباط منه ، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ، ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه في الأفعال ، فلم لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على معناه ، ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم .

القول الثاني : أن المراد منها معلوم ، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها ، فمنها البعيد ، ومنها القريب :

الأول - ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه ; فالألف من " الله " و " اللام " من " لطيف " و " الميم " من " مجيد " ، أو " الألف " من آلائه ، و " اللام " من لطفه ، و " الميم " من مجده . قال ابن فارس : وهذا وجه جيد ، وله في كلام العرب شاهد :

قلنا لها قفي فقالت ق



فعبر عن قولها : " وقفت " بـ " ق " .

[ ص: 263 ] الثاني : أن الله أقسم بهذه الحروف ، بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه ، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف ، إذ كانت مادة البيان ، ومباني كتب الله المنزلة باللغات المختلفة ، وهي أصول كلام الأمم ، بها يتعارفون ، وقد أقسم الله تعالى بـ ( الفجر ) ، ( والطور ) ، فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها .

الثالث : أنها الدائرة من الحروف التسعة والعشرين ; فليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه - عز وجل - ، أو آلائه ، أو بلائه ، أو مدة أقوام أو آجالهم ، فالألف سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون ؛ روي عن الربيع بن أنس ، قال ابن فارس : وهو قول حسن لطيف ; لأن الله تعالى أنزل على نبيه " الفرقان " فلم يدع نظما عجيبا ولا علما نافعا إلا أودعه إياه ، علم ذلك من علمه ، وجهله من جهله .

الرابع : ويروى عن ابن عباس أيضا في قوله تعالى : ( الم ) أنا الله أعلم ، وفي ( المص ) أنا الله أعلم وأفصل ، و ( الر ) أنا الله أرى ، ونحوه من دلالة الحرف الواحد على الاسم التام ، والصفة التامة .

الخامس : أنها أسماء للسور ; فـ ( الم ) اسم لهذه و ( حم ) اسم لتلك ، وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز ، فهكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور من غيرها ، ونقله الزمخشري عن الأكثرين ، وأن سيبويه نص عليه في كتابه ، وقال الإمام فخر الدين : " هو قول أكثر المتكلمين " ، فإن قيل : فقد وجدنا ( الم ) افتتح بها عدة سور ، فأين التمييز ؟ قلنا : قد يقع الوفاق بين اسمين لشخصين ، ثم يميز بعد ذلك بصفة ونعت ، كما يقال : زيد وزيد ، ثم [ ص: 264 ] يميزان بأن يقال : زيد الفقيه ، وزيد النحوي ، فكذلك إذا قرأ القارئ : ( الم ذلك الكتاب ) ( البقرة ) ، فقد ميزها عن : ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) ( آل عمران ) .

السادس : أن لكل كتاب سرا ، وسر القرآن فواتح السور ، قال ابن فارس : " وأظن قائل ذلك أراد أنه من السر الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم " واختاره جماعة ; منهم أبو حاتم بن حبان .

قلت : وقد استخرج بعض أئمة المغرب من قوله تعالى : ( الم غلبت الروم ) ( الروم ) فتوح بيت المقدس ، واستنقاذه من العدو في سنة معينة ، وكان كما قال .

السابع : أن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه ، وقال بعضهم : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) ( فصلت : 26 ) ، فأنزل الله هذا النظم البديع ; ليعجبوا منه ، ويكون تعجبهم سببا لاستماعهم ، واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده ، فترق القلوب ، وتلين الأفئدة .

الثامن : أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التي هي : أ ، ب ، ت ، ث ، فجاء بعضها مقطعا ، وجاء تمامها مؤلفا ; ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعقلونها ، ويبنون كلامهم منها .

التاسع - واختاره ابن فارس وغيره - : أن تجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحدا ; فيقال : إن الله جل وعلا افتتح السور بهذه الحروف ، إرادة منه للدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة ، لا على معنى واحد ، فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا ، وأن يكون [ ص: 265 ] كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله تعالى ، وأن يكون الله - عز وجل - قد وضعها هذا الوضع ، فسمى بها ، وأن كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين ، وهي مع ذلك مأخوذة من صفات الله تعالى في إنعامه وإفضاله ومجده ، وأن الافتتاح بها سبب لأن يسمع القرآن من لم يكن سمع ، وأن فيها إعلاما للعرب أن القرآن الدال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحروف ، وأن عجزهم عن الإتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة بينهم دليل على كفرهم وعنادهم وجحودهم ، وأن كل عدد منها إذا وقع أول كل سورة فهو اسم لتلك السورة .

قال : " وهذا القول الجامع للتأويلات كلها " ، والله أعلم بما أراد من ذلك .

العاشر : أنها كالمهيجة لمن سمعها من الفصحاء ، والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل ، والأخذ في التفاضل ، وهي بمنزلة زمجرة الرعد قبل الناظر في الأعلام ; لتعرف الأرض فضل الغمام ، وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام ، وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه ، والوقوف على معانيه بعد حفظ مبانيه .

الحادي عشر : التنبيه على أن تعداد هذه الحروف ممن لم يمارس الخط ، ولم يعان الطريقة على ما قال تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) ( العنكبوت : 48 ) .

الثاني عشر : انحصارها في نصف أسماء حروف المعجم ; لأنها أربعة عشر حرفا على ما سبق تفصيله ، وهذا واضح على من عد حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفا ، وقال : " لا " مركبة من اللام والألف ، والصحيح أنها تسعة وعشرون حرفا ، والنطق " بلا " في الهجاء كالنطق في " لا رجل في الدار " ; وذلك لأن الواضع جعل كل حرف من حروف المعجم صدر اسمه إلا الألف ، فإنه لما لم يمكن أن يبتدأ به لكونه مطبوعا على السكون فلا يقبل الحركة أصلا توصل إليه باللام ; لأنها شابهته في الاعتداد والانتصاب ، ولذلك يكتب على صورة الألف إلا إذا اتصل بما بعده .

فإن قلت : فقد تقدم اسم الألف في أول حروف الهجاء ، قلت : ذلك اسم الهمزة [ ص: 266 ] لوجهين : أحدهما : أنه صدره ، والثاني أنها صدر ما تصدر من حروف المعجم ; لتكون صورته ثلاثا ، وإنما كانت صدره ; لأن صورتها كالمتكررة أربع مرات ; لأنها تلبس صورة العين وصورة الألف والواو والياء ، لما يعرض من الحركة والسكون ، ولذلك أخروا ما بعد الطاء والظاء والعين ; لأن صورتها ليست متكررة . وجوابه على هذا المذهب أن الحرف لا يمكن تنصيفه ، فيتعين سقوط حرف ; لأنه الأليق بالإيجاز .

الثالث عشر : مجيئها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف ، فإن قلت : هلا روعي صورتها كما روعي عددها ؟ قلت : عرض لبعضها الثقل لفظا فأهمل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث