الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

النوع العاشر

معرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل

فأما أوله : ففي " صحيح البخاري " في حديث بدء الوحي ما يقتضي أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم ( اقرأ باسم ربك ) ( العلق : 1 - 5 ) ثم " المدثر " .

وأخرجه الحاكم في " مستدركه " من حديث عائشة - رضي الله عنها - صريحا ، وقال : صحيح الإسناد .

ولفظ مسلم : أول ما نزل من القرآن : ( اقرأ باسم ربك ) إلى قوله : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) .

ووقع في " صحيح البخاري " إلى قوله : ( وربك الأكرم ) ، وهو مختصر ، وفي الأول زيادة ، وهي من الثقة مقبولة .

وقد جاء ما يعارض هذا ، ففي " صحيح مسلم " عن جابر : أول ما نزل من القرآن سورة المدثر .

وجمع بعضهم بينهما بأن جابرا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قصة بدء الوحي فسمع آخرها ولم يسمع أولها ، فتوهم أنها أول ما نزلت ، وليس كذلك ، نعم هي أول ما نزل بعد سورة " اقرأ " وفترة الوحي ; لما ثبت في الصحيحين أيضا عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث عن فترة الوحي ، قال في حديثه : بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فجئثت منه ، فرجعت فقلت : زملوني زملوني ، فأنزل الله - تبارك وتعالى - : ( ياأيها المدثر قم فأنذر ) ( المدثر : 1 و 2 ) .

فقد أخبر في هذا الحديث عن الملك الذي جاءه بحراء قبل هذه المرة ، وأخبر في حديث عائشة بأن نزول " اقرأ " كان في غار حراء ، وهو أول وحي ، ثم فتر بعد ذلك ، وأخبر في حديث جابر أن الوحي تتابع بعد نزول ( ياأيها المدثر ) ، فعلم بذلك أن " اقرأ " أول ما نزل مطلقا ، وأن سورة المدثر بعده ، وكذلك قال ابن حبان في " صحيحه " ، لا تضاد بين الحديثين ، بل أول ما نزل : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) بغار حراء ، فلما رجع إلى خديجة - رضي الله عنها - وصبت عليه الماء البارد ، أنزل الله عليه في بيت خديجة : ( ياأيها المدثر ) ، فظهر أنه لما نزل عليه : ( اقرأ ) رجع فتدثر ، فأنزل عليه : ( ياأيها المدثر ) .

وقيل : أول ما نزل سورة الفاتحة ، روي ذلك من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا ، وذكر نزول الملك عليه ، وقوله : قل : ( الحمد لله رب العالمين ) ( الفاتحة ) إلى آخرها .

وقال القاضي أبو بكر في " الانتصار " : وهذا الخبر منقطع ، وأثبت الأقاويل ( اقرأ باسم ربك ) ، ويليه في القوة : ( ياأيها المدثر ) ، وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات ( اقرأ باسم ربك ) ، وأول ما نزل من أوامر التبليغ : ( ياأيها المدثر ) ، وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة .

وهذا كما ورد في الحديث : أول ما يحاسب به العبد الصلاة ، وأول ما يقضى فيه الدماء ، وجمع بينهما بأن أول ما يحكم فيه من المظالم التي بين العباد الدماء ، وأول ما يحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة .

وقيل : أول ما نزل للرسالة : ( ياأيها المدثر ) ( المدثر : 1 ) وللنبوة : ( اقرأ باسم ربك ) ( العلق : 1 ) ، فإن العلماء قالوا : اقرأ في قوله تعالى : ( اقرأ باسم ربك ) دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص ، وقوله تعالى : ( ياأيها المدثر قم فأنذر ) ( المدثر : 1 و 2 ) دليل على رسالته صلى الله عليه وسلم لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام .

وذكر القاضي في الانتصار رواية : ثم نزل بعد سورة " اقرأ " ثلاث آيات من أول نوح ، وثلاث آيات من أول المدثر .

وعن مجاهد قال : أول سورة أنزلت " اقرأ " ، ثم " نون " .

وذكر الحاكم في " الإكليل " أن أول آية أنزلت في الإذن بالقتال قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) ( التوبة : 111 ) .

وروى في " المستدرك " عن ابن عباس : أول آية أنزلت فيه ( أذن للذين يقاتلون ) الآية ( الحج : 39 ) .

وأما آخره : فاختلفوا فيه ; فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( إذا جاء نصر الله ) ( النصر : 1 ) ، وعن عائشة : سورة " المائدة " . وقيل : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) ( البقرة : 281 ) .

وقال السدي : آخر ما نزل : ( فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) ( التوبة : 129 ) .

وفي " صحيح البخاري " في تفسير سورة " براءة " عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - : آخر آية نزلت : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) ( النساء : 176 ) وآخر سورة نزلت " براءة " " .

وفي رواية غيره : آخر سورة أنزلت كاملة سورة " براءة " ، وآخر آية نزلت خاتمة " النساء " .

وذكر ابن الأنباري عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : آخر آية نزلت من القرآن : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) ، ثم قال : وأخطأ أبو إسحاق ، ثم ساق سنده من طرق إلى ابن عباس : آخر آية أنزلت : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) ، وكان بين نزولها ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما ، وقيل : تسع ليال . انتهى .

وفي " مستدرك " الحاكم : عن شعبة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قال : آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) ( التوبة : 128 و 129 ) ، ثم قرأها إلى آخر السورة ، ورواه أحمد في " المسند " عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال : آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) ، ثم قرأ إلى : ( وهو رب العرش العظيم ) ( التوبة : 129 ) ، قال : هذا آخر ما نزل من القرآن ، فختم بما فتح به ، بالذي لا إله إلا هو ، وهو قول الله - تبارك وتعالى - : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ( الأنبياء : 25 ) .

وقال بعضهم : روى البخاري : آخر ما نزل آية الربا .

وروى مسلم : آخر سورة نزلت جميعا : ( إذا جاء نصر الله ) .

قال القاضي أبو بكر في " الانتصار " : وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن ، وليس العلم بذلك من فرائض الدين ، حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط .

ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ، أو قبل مرضه بقليل ، وغيره سمع منه بعد ذلك ، وإن لم يسمعه هو ; لمفارقته له ، ونزول الوحي عليه بقرآن بعده .

ويحتمل أيضا أن تنزل الآية - التي هي آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم - مع آيات نزلت معها ، فيؤمر برسم ما نزل وتلاوتها عليهم بعد رسم ما نزل آخرا وتلاوته ، فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل في الترتيب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث