الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 326 ] النوع الثالث عشر

تاريخ القرآن واختلاف المصاحف

في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة - رضي الله عنهم -

روى البخاري في " صحيحه " ، عن زيد بن ثابت قال : " أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر عنده ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر بيوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالمواطن ، فيذهب كثير من القرآن ; وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال [ ص: 327 ] عمر : والله إن هذا خير . فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، وقد رأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : وقال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا أتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتتبع القرآن واجمعه . قال زيد : فوالله ، لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن ، قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : هو والله خير . فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور [ ص: 328 ] الرجال ، حتى وجدت آخر التوبة : ( لقد جاءكم ) ( الآية : 128 ) ، مع أبي خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادته بشهادة رجلين ، لم أجدها مع أحد غيره ، فألحقتها في سورتها ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حتى قبض ، ثم عند حفصة بنت عمر .

وفي رواية قال ابن شهاب : " وأخبرني خارجة بن زيد ، سمع زيد بن ثابت يقول : فقدت آية من " الأحزاب " حين نسخنا المصحف ، قد كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ( الأحزاب : 23 ) ، فألحقناها في سورتها ، وخزيمة الأنصاري شهادته بشهادتين " .

وقول زيد : " لم أجدها إلا مع خزيمة " ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد ; لأن زيدا كان قد سمعها وعلم موضعها في سورة " الأحزاب " بتعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك غيره من الصحابة ثم نسيها ، فلما سمع ذكره ، وتتبعه للرجال كان للاستظهار ، لا لاستحداث العلم ، وسيأتي أن الذين كانوا يحفظون القرآن من الصحابة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة ، والمراد : أن هؤلاء كانوا اشتهروا به ، فقد ثبت أن غيرهم حفظه ، وثبت أن القرآن مجموعه محفوظ كله في صدور الرجال أيام حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤلفا على هذا التأليف ، إلا سورة براءة .

قال ابن عباس : " قلت لعثمان : ما حملكم أن عمدتم إلى " الأنفال " وهي من [ ص: 329 ] المثاني ، وإلى " براءة " وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم قال عثمان : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يأتي عليه الزمان ، وتنزل عليه السور ، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتبه فقال : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت " الأنفال " من أوائل ما نزل من المدينة ، وكانت " براءة " من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ثم كتبت " .

فثبت أن القرآن كان على هذا التأليف والجمع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ترك جمعه في مصحف واحد ; لأن النسخ كان يرد على بعض ، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين ، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ، ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدون .

واعلم أنه قد اشتهر أن عثمان هو أول من جمع المصاحف ; وليس كذلك لما بيناه ، بل أول من جمعها في مصحف واحد الصديق ، ثم أمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى المصاحف ، هكذا نقله البيهقي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث