الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت

التالي السابق


164 161 - ( مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله ) هذا إسناد آخر في هذا الحديث ، قال ابن عبد البر : لم يختلف على مالك في الإسناد الأول أنه موصول ، وأما هذا فرواه يحيى وأكثر الرواة مرسلا ، ووصله القعنبي فقال عن أبيه : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ) ووافقه على وصله جماعة منهم ابن أبي أويس وابن نافع وابن مهدي انتهى .

وقضيته أنه في الموطأ ، وقال الدارقطني : تفرد القعنبي بروايته إياه في الموطأ موصولا عن مالك ، ولم يذكر غيره من رواة الموطأ فيه ابن عمر ، ووافقه على وصله عن مالك خارج الموطأ عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرزاق ، وروح بن عبادة وأبو قرة ، وكامل بن طلحة وآخرون ، ووصله عن الزهري جماعة من حفاظ أصحابه ( إن بلالا ينادي بليل ) فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرة ، وزعم بعضهم أنه ابتدأ ذلك باجتهاد منه ، وعلى تقدير صحته فقد أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك فصار في حكم المأمور به .

( فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) وفي صحيح ابن خزيمة ، وابن المنذر وابن حبان وغيرهم ، من طرق من حديث أنيسة مرفوعا : " أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال " وادعى ابن عبد البر وجماعة من الأئمة أنه مقلوب ، وأن الصواب حديث الباب ، قال الحافظ : وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة وفي بعض ألفاظه ما [ ص: 290 ] يبعد وقوع الوهم فيه وهو قوله : " إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم ، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد " وأخرجه أحمد .

وجاء عن عائشة أيضا أنها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول : إنه غلط ، أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردي عن هشام عن أبيه عنها مرفوعا : " أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال " قالت عائشة : وكان بلال لا يؤذن حتى يبصر الفجر ، قال : وكانت عائشة تقول : غلط ابن عمر انتهى .

وهذا مما يقتضي منه العجب ، ففي صحيح البخاري من طريق القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " وكذا أخرجه مسلم ، فقد جاء عنها في أرفع الصحيح مثل رواية ابن عمر فكيف تغلطه ؟ فالظاهر أن تلك الرواية وهم من بعض الرواة عنها والله أعلم .

قال الحافظ عقب ما مر وقد جمع ابن خزيمة والصبغي بين الحديثين باحتمال أن الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم الناس أن الأذان الأول منهما لا يحرم على الصائم شيئا ، ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني ، وجزم ابن حبان بذلك ولم يبده احتمالا ، وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره ، قال السيوطي قد ورد ذلك ، قال ابن أبي شيبة حدثنا عثمان ، حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال : سمعت عمتي تقول وكانت حجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال ، وإن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " . انتهى .

قال الحافظ : وقيل لم يكن نوبا وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان ، فإن بلالا كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر ، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار قالت : " كان بلال يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة فإذا رأى الفجر تمطى ثم أذن " أخرجه أبو داود وإسناده حسن .

ورواية حميد عن أنس : " أن سائلا سأل عن وقت الصلاة فأمر - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأذن حين طلع الفجر " الحديث أخرجه النسائي وإسناده صحيح ، ثم أردف بابن أم مكتوم فكان يؤذن بليل واستمر بلال على حالته الأولى ، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها ، ثم في آخر الأمر أخر ابن أم مكتوم لضعفه ووكل به من يراعي له الفجر ، واستقر أذان بلال بليل ، وكان سبب ذلك ما روي أنه كان ربما أخطأ الفجر فأذن قبل طلوعه وأنه أخطأه مرة فأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع فيقول : ألا إن العبد نام يعني إن غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر ، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولا مرفوعا ورواته ثقات حفاظ ، لكن اتفق أئمة الحديث علي بن المديني وأحمد والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حمادا أخطأ في رفعه ، وأن [ ص: 291 ] الصواب وقفه على عمر بن الخطاب أنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادا انفرد برفعه ، ومع ذلك فقد وجد له متابع ، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زربي وهو بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسبة ، فرواه عن أيوب موصولا لكن سعيد ضعيف ، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب أيضا لكنه أعضله فلم يذكر نافعا ولا ابن عمر ، وله طريق أخرى عن نافع عند الدارقطني وغيره اختلف في رفعها ووقفها أيضا ، وأخرى مرسلة من طريق يونس بن عبيد وغيره عن حميد بن هلال ، وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة ، ووصلها أبو يوسف عن سعيد بذكر أنس ، فهذه طرق يقوى بعضها ببعض قوة ظاهرة ، فلهذا والله أعلم استقر بلال يؤذن الأذان الأول انتهى .

( قال : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ) ظاهره على رواية القعنبي أن فاعل قال هو ابن عمر وبه جزم الشيخ موفق الدين الحنبلي في المغني ، وفي البخاري في الصيام ما يشهد له ، وصرح الحميدي في الجمع بأن عبد العزيز بن أبي سلمة رواه عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه قال : وكان ابن أم مكتوم فثبتت صحة وصله ، لكن رواه الإسماعيلي عن أبي خليفة والطحاوي عن يزيد بن سنان كلاهما عن القعنبي تعينا أن فاعل قال ابن شهاب ، وكذا رواه إسماعيل بن إسحاق ومعاذ بن المثنى وأبو مسلم الكجي الثلاثة عند الدارقطني ، والخزاعي عند أبي الشيخ ، وتمام عند أبي نعيم ، وعثمان الدارمي عند البيهقي كلهم عن القعنبي ، ورواه البيهقي من رواية الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس والليث جميعا عن ابن شهاب ، وفيه قال سالم : وكان رجلا ضرير البصر ، قال الحافظ : ولا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه سالم قاله ، وكذا شيخ شيخه ابن عمر أيضا ، ولابن شهاب فيه شيخ آخر رواه عبد الرزاق عن معمر عنه عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة ، قال ابن عبد البر : هو حديث آخر لابن شهاب ، وقد وافق ابن إسحاق معمرا فيه عن الزهري ( لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت ) بالتكرار للتأكيد أي دخلت في الصباح هذا ظاهره ، واستشكل بأنه جعل أذانه غاية للأكل ، فلو لم يؤذن حتى يدخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر ، والإجماع على خلافه إلا من شذ كالأعمش ، وأجاب ابن حبيب وابن عبد البر والأصيلي وجماعة من الشراح بأن المراد قاربت الصباح ، ويعكر على هذا الجواب أن في رواية الربيع التي قدمناها ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : أذن .

وأصرح من ذلك رواية البخاري في الصيام حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ، وإنما قلت إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأيضا فقوله إن بلالا يؤذن بليل يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلا منهما أذن قبل الوقت ، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال ، [ ص: 292 ] وأقرب ما يقال فيه إنه جعل علامة لتحريم الأكل وكان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق ثم ظهر لي أنه لا يلزم من كون المراد بقولهم أصبحت أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل ، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر ، وهذا وإن كان مستبعدا في العادة فليس بمستبعد من مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤيد بالملائكة فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة .

وقد روى أبو قرة من وجه آخر عن ابن عمر حديثا فيه وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطيه ، ذكره الحافظ ولا عطر بعد عروس ، قال رحمه الله : وفيه جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت لأنه في الأصل مبني على المشاهدة ، وعلى هذا القيد يحمل ما روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى .

ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح ، وتعقبه السروجي بأنه غلط على أبي حنيفة ، نعم في المحيط للحنفية كراهته ، وفيه جواز تقليده للبصير في دخول الوقت ، وجواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التعريف ونحوه ، والأذان قبل الفجر ، وإليه ذهب الجمهور وخالف النووي وأبو حنيفة ومحمد وهل يكتفى به ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم ، وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء ، وتعقب بحديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعا : " لا يمنعن أحدكم بلال من سحور فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم " وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يدل ، وعلى التنزل فمحله إذا لم يرد خلافه وقد ورد حديث ابن عمر وعائشة بما يشعر بعدم الاكتفاء ، نعم حديث زياد بن الحارث ثم أبي داود يدل على الاكتفاء ، فإن فيه أنه أذن قبل الفجر بأمره - صلى الله عليه وسلم - وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن يطلع الفجر فأمره فأقام لكن في إسناده ضعف ، وأيضا فهي واقعة عين وكانت في سفر ، ومن ثم قال القرطبي : إنه مذهب واضح ، على أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه فلم يرده إلا ومعناه على قاعدة المالكية ، وادعى بعض الحنفية أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما كان تذكيرا أو تسحيرا كما يقع للناس اليوم وهذا مردود ; لأن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعا ، وقد تضافرت الطرق بلفظ الأذان فحمله على معناه الشرعي مقدم ; ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما التبس على السامعين ، وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس ، وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة وفيه نظر ، وتمسك الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا لمذهبه فقال : قد أخبر أن ذلك النداء كان لما ذكر لا للصلاة ، وتعقب بأن قوله [ ص: 293 ] لا للصلاة زيادة في الخبر وليس فيه حصر فيما ذكر ، فإن قيل تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة ، والأذان قبل الوقت ليس إعلاما به .

فالجواب أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاما بأنه دخل أو قارب أن يدخل ، وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات ; لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه والصبح تأتي غالبا عقب نوم ، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا أول الوقت انتهى .

وهذا الحديث رواه البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث