الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وقوت الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم باب وقوت الصلاة

قال حدثني الليثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالكوفة فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بهذا أمرت فقال عمر بن عبد العزيز اعلم ما تحدث به يا عروة أو إن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة قال عروة كذلك كان بشير بن أبي مسعود الأنصاري يحدث عن أبيه [ ص: 68 ]

التالي السابق


[ ص: 68 ] 1 - كتاب وقوت الصلاة

1 - باب وقوت الصلاة

بضم الواو والقاف المفروضة

وقدم ذا الباب على سائر أبواب الكتاب ؛ لأنها أصل في وجوب الصلاة ، إذ هي عبادة مقدرة بالأوقات .

قال تعالى : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ( سورة النساء : الآية 103 ) أي : فرضا موقتا ، فإذا دخل الوقت وجب الوضوء وغيره ، فلذا قدم الأوقات على غيرها .

وفي رواية ابن بكير ، أوقات : جمع قلة وهو أظهر لكونها خمسة ، لكن وجه رواية الأكثرين " وقوت " جمع كثرة أنها وإن كانت خمسة لكن لتكررها كل يوم صارت كأنها كثيرة ، كقولهم : شموس وأقمار باعتبار ترددهما مرة بعد مرة ، ولأن الصلوات فرضت خمسين وثوابها كثواب الخمسين كما قال تعالى في حديث المعراج : " هن خمس وهن خمسون " ، ولأن كل واحد من الجمعين قد يقوم مقام الآخر توسعا ، أو لأنهما يشتركان في المبدأ من ثلاثة ويفترقان في الغاية على ما ذهب إليه بعض المحققين ، أو لأن لكل صلاة ثلاثة أوقات : اختياري وضروري وقضاء .

( قال ) الراوي عن يحيى وهو ابنه عبيد الله - بضم العين - الليثي فقيه قرطبة ومسند الأندلس كان ذا حرمة عظيمة وجلالة روى عن خلق كثير ، توفي سنة ثمان وسبعين ومائتين : 2 1 - ( حدثني يحيى بن يحيى ) بن كثير بن وسلاس - بكسر الواو وسينين مهملتين ؛ الأولى ساكنة وبينهما لام ألف ويزاد فيه نون فيقال وسلاسن ، ومعناه بالبربرية سيدهم ، كما ضبطه صاحب الوفيات - أسلم وسلاس على يد يزيد بن عامر الليثي ليث بني كنانة فقيل [ ص: 69 ] ( الليثي ) مولاهم القرطبي أبو محمد فقيه ثقة قليل الحديث وله أوهام ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين على الصحيح عن ثنتين وثمانين سنة ، سمع الموطأ لأول نشأته من زياد بن عبد الرحمن أبي عبد الله المعروف بشبطون ، ثم رحل وهو ابن ثمان وعشرين سنة إلى مالك فسمع منه الموطأ غير أبواب في كتاب الاعتكاف شك فيها فحدث بها عن زياد ، وكان يحيى عند مالك فقيل : هذا الفيل فخرجوا لرؤيته ولم يخرج فقال له مالك : لم لم تخرج لنظر الفيل وهو لا يكون ببلادك ؟ فقال : لم أرحل لأنظر الفيل وإنما رحلت لأشاهدك وأتعلم من علمك وهديك ، فأعجبه ذلك وسماه عاقل الأندلس ، وإليه انتهت رياسة الفقه بها وانتشر به المذهب ، وتفقه به من لا يحصى ، وعرض للقضاء فامتنع فعلت رتبته على القضاة وقبل قوله عند السلطان ، فلا يولى قاضيا في أقطاره إلا بمشورته واختياره ، ولا يشير إلا بأصحابه فأقبل الناس عليه لبلوغ أغراضهم وهذا سبب اشتهار الموطأ بالمغرب من روايته دون غيره ، وكان حسن الهدي والسمت يشبه سمته سمت مالك ، قال : لما ودعت مالكا سألته أن يوصيني . فقال لي : عليك بالنصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، قال : وقال لي الليث مثل ذلك ( عن مالك ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبي عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة أكمل العقلاء وأعقل الفضلاء ، رأس المتقنين ، وكبير المتثبتين ، حتى قال البخاري : أصح الأسانيد كلها مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مات سنة تسع وسبعين ومائة ، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين ، وقال الواقدي : بلغ تسعين سنة ( عن ) محمد بن مسلم بن عبيد الله - بضم العين - بن عبد الله بفتحها ( ابن شهاب ) بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبي بكر الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه ، لقي عشرة من الصحابة ومات سنة خمس وعشرين ومائة وقيل : قبلها بسنة أو سنتين ، له في الموطأ مرفوعا مائة وثلاثة وثلاثون حديثا ( أن عمر بن عبد العزيز ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي أمير المؤمنين ، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، ولي إمرة المدينة للوليد ، وكان مع سليمان كالوزير ، وولي الخلافة بعده فعد من الخلفاء الراشدين ، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة ، ومدة خلافته سنتان ونصف .

( أخر الصلاة يوما ) أي : صلاة العصر كما للبخاري من طريق الليث ، عن الزهري ، زاد ابن عبد البر في إمارته على المدينة ، ولأبي داود من وجه آخر أن عمر كان قاعدا على المنبر فعرف بهذا سبب تأخيره ، [ ص: 70 ] وكأنه كان مشغولا إذ ذاك بشيء من مصالح المسلمين .

قال ابن عبد البر : ظاهر سياقه أنه فعل ذلك يوما لا أن ذلك كان عادة له وإن كان أهل بيته معروفين بذلك ، قال : والمراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت الشمس .

قال الحافظ : ويؤيده رواية الليث عن الزهري عند البخاري في بدء الخلق ، ولفظه : " أخر العصر شيئا " وبه تظهر مناسبة ذكر عروة حديث عائشة بعد حديث أبي مسعود ، وما رواه الطبراني : أمسى عمر قبل أن يصليها محمول على أنه قارب المساء لا أنه دخل فيه وقد رجع عمر عن ذلك ، فروى الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز يعني في خلافته كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل ( فدخل عليه عروة بن الزبير ) بن العوام بن خويلد الأسدي أبو عبد الله المدني التابعي الكبير الثقة الفقيه المشهور أحد الفقهاء السبعة مات سنة أربع وتسعين على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عثمان ( فأخبره أن المغيرة بن شعبة ) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور أسلم قبل الحديبية وولي إمرة البصرة ثم الكوفة ومات سنة خمسين على الصحيح .

( أخر الصلاة يوما ) أي : صلاة العصر ، فلعبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن شهاب بلفظ فقال : أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر ( وهو بالكوفة ) وكان إذ ذاك أميرا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان .

وللبخاري عن القعنبي ، عن مالك وهو بالعراق وتعقبه الحافظ بأن الذي في الموطأ رواية القعنبي وغيره ، عن مالك وهو بالكوفة ، وكذا أخرجه الإسماعيلي ، عن أبي خليفة عن القعنبي ، والكوفة من جملة العراق ، فالتعبير بها أخص من التعبير به .

( فدخل عليه أبو مسعود ) عقبة - بالقاف - ابن عمرو بن ثعلبة ( الأنصاري ) البدري صحابي جليل مات قبل الأربعين وقيل : بعدها ( فقال : ما هذا ) التأخير ( يا مغيرة ؟ أليس ) كذا الرواية وهو استعمال صحيح ، لكن الأفصح والأكثر استعمالا في مخاطبة الحاضر ألست ؟ وفي مخاطبة الغائب أليس ؟ وتوجيه الأولى أن في " ليس " ضمير الشأن ، كذا قاله ابن السيد في شرح الموطأ ، وتبعه ابن دقيق العيد والحافظ والزركشي وغيرهم ، وتعقب ذلك الدماميني بأنه يوهم جواز استعمال هذا التركيب مع إرادة أن يكون ما دخلت عليه ضمير الغائب ، وليس كذلك بل هما تركيبان مختلفان وليس أحدهما بأفصح من الآخر فإنه يستعمل كل منهما في مقام خاص ، فإن أريد إدخال ليس على ضمير المخاطب تعين ألست قد علمت ؟ وإن أريد إدخالها على ضمير الشأن مخبرا عنه بالجملة التي أسند فعلها إلى المخاطب تعين أليس ( قد علمت ؟ ) قال عياض : ظاهره علم [ ص: 71 ] المغيرة بذلك ، ويحتمل أنه ظن من أبي مسعود لعلمه بصحبة المغيرة ، قال الحافظ : ويؤيد الأول رواية شعيب عند البخاري في غزوة بدر بلفظ فقال : " لقد علمت " بغير أداة استفهام ، ونحوه لعبد الرزاق عن معمر وابن جريج معا ( أن جبريل ) - بكسر الجيم ، وفتحها - اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة .

روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : جبريل كقولك عبد الله جبر عبد وإيل الله ، وهو أفضل الملائكة كما نقل عن كعب الأحبار .

وقال السيوطي : لا خلاف أن جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت رءوس الملائكة وأشرافهم ، وأفضل الأربعة جبريل وإسرافيل ، وفي التفضيل بينهما توقف سببه اختلاف الآثار في ذلك .

وفي معجم الطبراني الكبير حديث : " أفضل الملائكة جبريل " لكن سنده ضعيف وله معارض فالأولى الوقف عن ذلك .

( نزل ) قال إمام الحرمين : نزوله في صفة رجل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد ، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء ، إذ لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته بل يجوز أن يبقى الجسد حيا ، لأن موته بمفارقة الروح لا يجب عقلا بل بعادة أجراها الله في بعض خلقه ، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة .

وقال البلقيني : يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته ، ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشا فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب .

قال الحافظ : والحق أن تمثيل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه ، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط .

وقال القونوي : يمكن أن جسمه الأول بحاله لم يتغير وقد أقام الله له شبحا آخر ، وروحه متصرفة فيهما جميعا في وقت واحد وكان نزوله صبيحة الإسراء .

قال ابن عبد البر : لم يختلف أن جبريل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ومواقيتها وهيئتها .

قال ابن إسحاق : حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم ، عن نافع بن جبير قال : وكان نافع كثير الرواية عن ابن عباس قال : لما فرضت الصلاة وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم .

وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قال نافع بن جبير وغيره : " لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس ولذلك سميت الأولى ، فأمر فصيح بأصحابه الصلاة جامعة ، فاجتمعوا فصلى جبريل بالنبي وصلى النبي بالناس طول الركعتين الأوليين ثم قصر الباقيتين ، ثم سلم جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وسلم النبي على الناس ، ثم نزل في العصر على مثل ذلك ففعلوا كما فعلوا في الظهر ، ثم نزل في أول الليل فصيح الصلاة جامعة فصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 72 ] وصلى النبي بالناس طول في الأوليين وقصر في الثالثة ، ثم سلم جبريل على النبي وسلم النبي على الناس ، ثم لما ذهب ثلث الليل صيح الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى جبريل للنبي وصلى النبي للناس ، فقرأ في الأوليين فطول فيهما وقصر في الأخيرتين ، ثم سلم جبريل على النبي وسلم النبي على الناس ، فلما طلع الفجر صيح الصلاة جامعة فصلى جبريل للنبي وصلى النبي للناس فقرأ فيهما فجهر وطول ورفع صوته ، وسلم جبريل على النبي وسلم النبي على الناس " قال الحافظ : وفي هذا رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة ، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل وبعدها ببيان النبي صلى الله عليه وسلم .

قال السيوطي : وهو صريح حديث ابن عباس : " أمني جبريل عند البيت " رواه أبو داود والترمذي وغيرهما .

وفي رواية الشافعي عند باب البيت : فصلى ) جبريل الظهر ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معه ( ثم صلى ) العصر ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معه ( ثم صلى ) المغرب ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معه ( ثم صلى ) العشاء ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معه ( ثم صلى ) الصبح ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معه .

هكذا ذكره خمس مرات .

قال عياض : وهذا إذا اتبع فيه حقيقة اللفظ أعطى أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بعد فراغ صلاة جبريل ، لكن مفهوم هذا الحديث والمنصوص في غيره أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيحمل قوله : " صلى " " فصلى " على أن جبريل كلما فعل جزءا من الصلاة فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى تكاملت صلاتهما انتهى . وتبعه النووي .

وقال غيره : الفاء بمعنى الواو ، واعترض بأنه يلزم أنه صلى الله عليه وسلم كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع ، وأجيب بمراعاة الحيثية وهي التبيين فكان لأجل ذلك يتراخى عنه . وقيل : الفاء للسببية كقوله : فوكزه موسى فقضى عليه ( سورة القصص : الآية 15 ) .

وفي رواية الليث عند البخاري ومسلم : " نزل جبريل فأمني فصليت معه " .

وفي رواية عبد الرزاق ، عن معمر : " نزل فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس معه " وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة ، وإنما دعاهم بقوله : " الصلاة جامعة " لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ .

( ثم قال ) جبريل : ( بهذا أمرت ) بفتح التاء على المشهور ؛ أي : هذا الذي أمرت به أن تصليه كل يوم وليلة .

وروي بالضم ؛ أي : هذا الذي أمرت بتبليغه لك .

قال ابن العربي : نزل جبريل مأمورا مكلفا بتعليم النبي لا بأصل الصلاة ، واحتج به بعضهم على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره .

وأجاب الحافظ بحمله على أنه كان مبلغا فقط كما قيل في [ ص: 73 ] صلاة أبي بكر خلف النبي وصلاة الناس خلف أبي بكر ، ورده السيوطي بأنه واضح في قصة أبي بكر ، وأما هنا ففيه نظر لأنه يقتضي أن الناس اقتدوا بجبريل لا بالنبي صلى الله عليه وسلم .

وهو خلاف الظاهر والمعهود مع ما في رواية نافع بن جبير من التصريح بخلافه ، والأولى أن يجاب بأن ذلك كان خاصا بهذه الواقعة ؛ لأنها كانت للبيان المعلق عليه الوجوب ، واستدل به أيضا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لأن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس ، قاله ابن العربي وغيره .

وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ، وتعقبه بما تقدم أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة .

وأجيب باحتمال أن الوجوب كان معلقا بالبيان فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة ، قال : وأيضا لا نسلم أن جبريل كان متنفلا بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه ؛ لأنه مكلف بتبليغها فهي صلاة مفترض خلف مفترض .

وقال ابن المنير : قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بفرض آخر قال الحافظ : وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلا خلف المؤداة لا في صورة الظهر خلف العصر مثلا .

( فقال عمر بن عبد العزيز : اعلم ) بصيغة الأمر ( ما تحدث به يا عروة ) وفي رواية للشافعي عن سفيان عن الزهري فقال : اتق الله يا عروة وانظر ما تقول .

قال الرافعي : في شرح المسند : لا يحمل مثله على الاتهام ، ولكن المقصود الاحتياط والاستثبات ليتذكر الراوي ويجتنب ما عساه يعرض من نسيان وغلط .

( أو ) بفتح همزة الاستفهام ، والواو العاطفة على مقدر ( إن ) بكسر الهمزة على الأشهر قال في المطالع : ضبطنا " إن " بالكسر والفتح معا ، والكسر أوجه ؛ لأنه استفهام مستأنف عن الحديث إلا أنه جاء بالواو ليرد الكلام على كلام عروة ؛ لأنها من حروف الرد ، والفتح على تقدير أو علمت أو حدثت أن ( جبريل هو الذي أقام لرسول الله وقت الصلاة ) أي : جنس وقتها ، ورواه المستملي في البخاري " وقوت " بالجمع .

( قال عروة : كذلك كان بشير ) بفتح الموحدة ( ابن أبي مسعود الأنصاري ) المدني التابعي الجليل ، ذكر في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ، وقال العجلي : تابعي ثقة ( يحدث عن أبيه ) عقبة بن عمرو البدري ، قال ابن عبد البر : هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء ؛ لأن ابن شهاب لم يقل حضرت مراجعة عروة لعمر ، وعروة لم يقل : حدثني بشير لكن الاعتبار عند الجمهور ثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصيغ .

وقال الكرماني : هذا الحديث ليس متصل الإسناد إذ لم يقل أبو مسعود : شاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعقبه الحافظ بأنه لا يسمى منقطعا اصطلاحا وإنما [ ص: 74 ] هو مرسل صحابي ؛ لأنه لم يدرك القصة ، فاحتمل أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده أو سمعه كصحابي آخر ، على أن رواية الليث عند البخاري - أي ومسلم - تزيل الإشكال كله . ولفظه : فقال عروة : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نزل جبريل " فذكره .

زاد عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري : فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .

قال ابن عبد البر : فإن قيل جهل مواقيت الصلاة لا يسع أحدا فكيف جاز على عمر ؟ قيل : ليس في جهله بالسبب الموجب لعلم المواقيت ما يدل على جهله بها وقد يكون ذلك عنده عملا واتفاقا وأخذا عن علماء عصره ، ولا يعرف أصل ذلك كيف كان النزول من جبريل بها على النبي صلى الله عليه وسلم أم بما سنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كما سن غير ما شيء وفرضه في الصلاة والزكاة انتهى .

وفي فتح الباري : لا يلزم من كون عمر لم يكن عنده علم من إمامة جبريل أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات من جهة العمل المستمر ، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل ، فإذا استثبت فيه وكأنه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة ولم أقف على شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود والظاهر أنه رجع إليه ، وكذا سياق ابن شهاب ليس فيه تصريح بسماعه له من عروة ، لكن في رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن شهاب قال : كنا مع عمر بن عبد العزيز ، وفي رواية شعيب عن الزهري : سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز .

قال القرطبي : ليس فيما ذكره عروة حجة واضحة على عمر إذ لم يعين له الأوقات .

وأجاب الحافظ بأن في رواية مالك اختصارا وقد ورد بيانها من طريق غيره ، فأخرج الدارقطني والطبراني في الكبير وابن عبد البر في التمهيد من طريق أيوب بن عتبة والأكثر على تضعيفه ، عن أبي بكر بن حزم أن عروة بن الزبير كان يحدث عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ أمير المدينة في زمن الحجاج والوليد بن عبد الملك ، وكان ذلك زمانا يؤخرون فيه الصلاة ، فحدث عروة عمر قال : حدثني أبو مسعود الأنصاري وبشير بن أبي مسعود كلاهما قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم : " أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين دلكت الشمس فقال : يا محمد صل الظهر فصلى ، ثم جاءه حين كان ظل كل شيء مثله فقال : يا محمد صل العصر فصلى ، ثم جاءه حين غربت الشمس فقال : يا محمد صل المغرب فصلى ، ثم جاءه حين غاب الشفق فقال : يا محمد صل العشاء فصلى ، ثم جاءه حين انشق الفجر [ ص: 75 ] فقال : يا محمد صل الصبح فصلى ، ثم جاءه الغد حين كان ظل كل شيء مثله فقال : صل الظهر فصلى ، ثم أتاه حين كان ظل كل شيء مثليه فقال : صل العصر فصلى ، ثم أتاه حين غربت الشمس فقال : صل المغرب فصلى ، ثم أتاه حين ذهب ساعة من الليل فقال : صل العشاء فصلى ، ثم أتاه حين أضاء الفجر وأسفر فقال : صل الصبح فصلى ، ثم قال : ما بين هذين وقت يعني أمس واليوم " قال عمر لعروة : أجبريل أتاه ؟ قال : نعم .

وأخرج أبو داود وغيره وصححه ابن خزيمة وغيره من طريق ابن وهب والطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدا على المنبر فأخر العصر شيئا فقال له عروة : أما إن جبريل قد أخبر محمدا صلى الله عليه وسلم بوقت الصلاة فقال له عمر : اعلم ما تقول ، فقال عروة : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول : " نزل جبريل فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه حسب بأصابعه خمس صلوات ، فرأيت رسول الله يصلي الظهر حين تزول الشمس وربما أخرها حين يشتد الحر ، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن يدخلها الصفرة فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس ، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس ، ويصلي العشاء حين يسود الأفق وربما أخرها حتى تجتمع الناس ، وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر " قال الحافظ : ففي هذه الرواية بيان أبي مسعود للأوقات وفيه ما يرفع الإشكال ويوضح احتجاج عروة به .

وذكر أبو داود أن أسامة تفرد بتفسير الأوقات ، وأن أصحاب الزهري لم يذكروا تفسيرا .

قال : وكذا ذكره هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق ، عن عروة لم يذكرا تفسيرا انتهى .

ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور ، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده ، وقد وجدت ما يعضد رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل ، وذلك فيما رواه الباغندي والبيهقي ، عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه ، عن أبي مسعود فذكره منقطعا ، لكن رواه الطبراني من وجه آخر ، عن أبي بكر ، عن عروة فرجع الحديث إلى عروة ووضح أن له أصلا وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارا ، وبه جزم ابن عبد البر ، وليس في روايته ومن وافقه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا يوصف والحالة هذه بالشذوذ ، انتهى .

أي : فيها اختصار من وجهين ؛ أحدهما : أنه لم يعين الأوقات . وثانيهما : أنه لم يذكر صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم الخمس إلا مرة واحدة ، وقد علم من رواية أيوب أنه صلى به الخمس مرتين في يومين ، وقد ورد من رواية الزهري نفسه ، فأخرج ابن أبي ذئب في موطئه عن ابن شهاب أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عمر بن عبد العزيز ، عن [ ص: 76 ] أبي مسعود الأنصاري أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة فدخل عليه أبو مسعود فقال : ألم تعلم أن جبريل نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فصلى وصلى وصلى وصلى وصلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم قال : هكذا أمرت .

وثبت أيضا صلاته به مرتين عن ابن عباس عند أبي داود والترمذي وجابر بن عبد الله في الترمذي والنسائي والدارقطني وابن عبد البر في التمهيد وأبي سعيد الخدري عند أحمد والطبراني في الكبير وابن عبد البر وأبي هريرة أخرجه البزار وابن عمر أخرجه الدارقطني ، وبهذا رد قول ابن بطال في هذا الحديث دليل على ضعف حديث أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم في يومين بوقتين مختلفين لكل صلاة ؛ لأنه لو كان صحيحا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجا بصلاة جبريل ، مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت وقال : الوقت ما بين هذين .

قال الحافظ : وأجيب باحتمال أن صلاة عمر كانت قد خرجت ، عن وقت الاختيار وهو مصير ظل كل شيء مثليه لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشمس ، فيتجه إنكار عروة ولا يلزم منه ضعف الحديث ، أو يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصلاة في أول الوقت ، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضا .

وقد روى سعيد بن منصور ، عن طلق بن حبيب مرسلا : " إن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته ولما فاته من وقتها خير له من أهله وماله " ورواه أيضا عن ابن عمر من قوله : ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة : " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها " وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها ، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود ؛ لأن حديثها يشعر بمواظبته على صلاة العصر في أول الوقت ، وحديث أبي مسعود يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل .

وفي الحديث من الفوائد : دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة ، واستثبات العالم فيما يستغربه السامع والرجوع عند التنازع للسنة ، وفضيلة عمر بن عبد العزيز ، والمبادرة بالصلاة في أول الوقت الفاضل ، وقبول الخبر الواحد المثبت ، واستدل به ابن بطال وغيره ، على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع ؛ لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له لما أن أرسل الحديث بذكر من حدثه فرجع إليه فكأن عمر قال له : تأمل ما تقول فلعله بلغك عن غير ثبت ، وكأن عروة قال له : بل قد سمعته ممن سمع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصاحب قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، واستدل به عياض على جواز الاحتجاج بالمرسل الثقة لصنيع عروة حين احتج على عمر قال : وإنما راجعه عمر ليثبته فيه لا لكونه لم يرض به مرسلا كذا قال ، وظاهر السياق يشهد لما قاله ابن بطال انتهى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث