الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة

حدثني يحيى عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يقللها [ ص: 392 ]

التالي السابق


[ ص: 392 ] 7 - باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة

أي التي يجاب فيها الدعاء .

- 242 238 ( مالك عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة ) أبهمها هنا كليلة القدر والاسم الأعظم والرجل الصالح حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك اليوم ، وقد ورد : " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " ، ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضا لها بإحضار القلب وملازمة الذكر والدعاء والنزوع عن وساوس الدنيا فعساه أن يحظى بشيء من تلك النفحات .

( لا يوافقها ) أي لا يصادفها وهو أعم من أن يقصد لها أو يتفق وقوع الدعاء فيها ( عبد مسلم وهو قائم ) جملة اسمية حالية ( يصلي ) جملة فعلية حالية ( يسأل الله شيئا ) مما يليق أن يدعو به المسلم .

وللبخاري في الطلاق عن ابن سيرين ومسلم عن محمد بن زياد كلاهما عن أبي هريرة : يسأل الله خيرا ، والجمل صفات للمسلم أعربت أحوالا ويحتمل أن يكون يصلي حالا منه لاتصافه بقائم ويسأل حال مرادفة أو متداخلة .

( إلا أعطاه إياه ) ولأحمد من حديث سعد بن عبادة : ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم وهو نحو خيرا ، والقطيعة من الإثم فهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، وأفاد ابن عبد البر أن قوله قائم يصلي سقط من رواية أبي مصعب وابن أبي أويس ومطرف والتنيسي وقتيبة فقالوا : وهو يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه ، وبعضهم يقول : أعطاه إياه ، وأثبتها الباقون قال : وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد من رواية مالك وورقاء وغيرهما عنه .

وكذا رواه ابن سيرين عن أبي هريرة .

قال الحافظ : وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث ، وكأن سبب ذلك أنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة وهما حديثان ، أحدهما أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة ، والثاني أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس ، وقد احتج أبو هريرة على ابن سلام لما ذكر له القول الثاني بأنه ليست ساعة صلاة ، وقد ورد النص بالصلاة فأجابه بالنص الآخر أن منتظر الصلاة في [ ص: 393 ] حكم المصلي ، فلو كان قوله قائم يصلي عند أبي هريرة ثابتا لاحتج به لكن سلم له الجواب وارتضاه وأفتى به بعده ، وأما الإشكال على الحديث الأول فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كله وليست صلاة على الحقيقة ، وقد أجيب عن الإشكال بحمل الصلاة على الدعاء والانتظار وبحمل القيام على الملازمة أو المواظبة ، ويؤيد ذلك أن حال القيام في حال الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد مع أن السجود مظنة إجابة الدعاء ، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه فدل على أن المراد مجاز القيام وهو المواظبة ومنه قوله تعالى : إلا ما دمت عليه قائما ( سورة آل عمران : الآية 75 ) فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم من باب التعبير عن الكل بالجزء ، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة اهـ .

ولا يظهر قوله فعلى هذا لأن الحديث جمع بينهما فقال وهو قائم يصلي ( وأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده يقللها ) ترغيبا فيها وحضا عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها قاله الزين بن المنير وللبخاري من طريق سلمة بن علقمة عن ابن سيرين عن أبي هريرة : " وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر قلنا يزهدها " وبين أبو مسلم الكجي أن الذي وضع هو بشر بن المفضل راويه عن سلمة بن علقمة وكأنه فسر الإشارة بذلك ، وأنها ساعة لطيفة تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله يزهدها أي يقللها .

ولمسلم في رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة : وهي ساعة خفيفة .

وللطبراني في الأوسط في حديث أنس : وهي قدر هذا يعني قبضه ، وفي الحديث فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة وأنها أفضل ساعاته .

قال الباجي : والفضائل لا تدرك بقياس وإنما فيها التسليم وفيه فضل الدعاء والإكثار منه ، قال الزين بن المنير : وإذا علم أن فائدة إبهام هذه الساعة وليلة القدر بعث الدواعي على الإكثار من الصلاة والدعاء ولو بين لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها ، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها اهـ .

فإن قيل ظاهر الحديث حصول الإجابة لكل داع بشرطه مع أن الزمان يختلف باختلاف البلاد والمصلي فيتقدم بعض على بعض وساعات الإجابة متعلقة بالوقت فكيف تتفق مع الاختلاف ؟ باحتمال أن ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل مصل كما قيل نظيره في ساعة الكراهة ، ولعل هذا فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها وإن كانت هي خفيفة ، ويحتمل أن يكون عبر عن الوقت بالفعل فيكون التقدير وقت جواز الخطبة أو الصلاة ونحو ذلك .

واستدل بالحديث على بقاء الإجمال بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعقب بأن الخلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية لا في الأمور الوجودية كوقت الساعة فهذا لا خلاف في إجماله ، والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة وليلة القدر وهو تحصيل الأفضلية يمكن الوصول إليه والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة فلم يبق في الحكم الشرعي إجمال .

وهذا الحديث رواه البخاري عن القعنبي ، [ ص: 394 ] ومسلم عن يحيى ، وقتيبة بن سعيد الثلاثة عن مالك به .

ثم ذكر الإمام حديثا فيه بيان الساعة المبهمة في الأول وذلك من حسن التصنيف فقال : -


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث