الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

30 [ ص: 412 ] حديث تاسع لابن شهاب ، عن سعيد ( بن المسيب ) مرسل

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل من هذه الشجرة ، فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم .

التالي السابق


هكذا هو في الموطأ ، ثم جميعهم مرسل إلا ما رواه محمد بن معمر ، عن روح بن عبادة ، عن صالح بن أبي الأخضر ، ومالك بن أنس ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ( مرة ) موصولا ، وقد وصله معمر ويونس وإبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، فأما رواية معمر ، فذكرها عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكل ( من ) هذه الشجرة يعني الثوم ، فلا يؤذينا في مسجدنا . وذكره ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب كذلك ( سواء ) مسندا .

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا مسلة بن القاسم ، قال : حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي ببغداد ، قال : حدثنا فضل الأعرج ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، قال : حدثني أبي ، عن ابن [ ص: 413 ] شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يؤذينا في مسجدنا يعني الثوم ، قال يعقوب : وذكر أبي ، عن أبيه أنه ذكر معه الكراث ، والبصل .

قال أبو عمر :

روى النهي عن أكل الثوم بألفاظ متقاربة المعاني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة منهم عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وحذيفة ، وابن عمر ، وجابر ، وأنس ، وأبو سعيد ، والمغيرة بن شعبة ومعقل بن يسار وأم أيوب . فأما حديث ابن عمر فرواه عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة خيبر : من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم ، فلا يقربن مسجدنا . ذكره البخاري ، عن مسدد ، عن يحيى ، عن عبيد الله ، قال البخاري : وحدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، قال : سأل رجل أنس بن مالك ما سمعت ( من ) نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في الثوم ؟ فقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة ، فلا يقربنا ولا يصلين معنا .

وحدثنا عبد الله بن محمد [ ص: 414 ] قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل من هذه الشجرة ، فلا يقربن المساجد .

قال أبو عمر :

اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال بعضهم : إنما خرج النهي عن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل جبريل عليه السلام ونزوله فيه على النبي عليه السلام ، وقال آخرون - وهم الأكثرون - مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر المساجد غيره في ذلك سواء ، وملائكة الوحي في ذلك ( وغيرها ) سواء ( لأنه ) قد أخبر أنه يتأذى بنو آدم ، وقال : إن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم ، وقال : يؤذينا بريح الثوم ، ولا يحل أذى الجليس المسلم حيث كان .

قال أبو عمر :

في هذا الحديث من الفقه معرفة كون البقول والخضر بالمدينة ، فلما ( لم ) ينقل أحد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخذ منها الزكاة دل على أن الزكاة ساقطة عن الخضر ، وعما أخرجت الأرض غير القوت المدخر ، وقد أوضحنا هذه المسألة ، وذكرنا وجوهها ، واختلاف العلماء فيها في أول بلاغات مالك ، وذلك قوله : إنه بلغه عن سليمان بن يسار ( وبسر بن سعيد ) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 415 ] قال فيما سقت السماء العشر . الحديث . وفي هذا الحديث ( أيضا ) من الفقه أن أكل الثوم ليس بمحرم ، لأن الحرام لا يقال فيه : من فعله فلا يفعل كذا - لشيء غيره ، لأن هذا لفظ إباحة لا لفظ منع ، وليس هذا من باب ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من شرب الخمر فليشقص الخنازير في شيء ، لأن شرب الخمر وتشقيص الخنازير كلاهما محرم .

وقد اختلف العلماء في أكل الثوم فذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا إلى تحريم أكل الثوم ( في وقت يوجد ريحه منه في المسجد ) وقالوا : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الثوم نهي تحريم ، فلا يجوز لأحد أكله ، لأنه لا يجوز لأحد التأخر عن صلاة الجماعة إذا كان قادرا على شهودها ، ولا يحل له التخلف عنها إذا سمع النداء بها مع الاستطاعة على المشي إليها ، قالوا : وكل منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به كما أنه حرام على الإنسان فعل كل ما يمنعه من مشاهدة الجمعة ، واحتجوا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 416 ] قد سماها خبيثة ، والله - عز وجل - قد وصف نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه يحرم الخبائث ، وذكروا حديث يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من أكل من هذه الشجرة الخبيثة ، فلا يقربن مسجدنا وقوله من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين ، فلا يقربن مساجدنا .

وذهب جماعة فقهاء الأمصار وجمهور علماء المسلمين من أهل الفقه والحديث إلى إباحة أكل الثوم لدلائل منها : حديث علي بن أبي طالب ، أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا أبو النضر ، قال : حدثنا إسرائيل عن مسلم الأعور ، عن حبة العرني ، عن علي - رضي الله عنه - قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نأكل الثوم ، وقال : لولا أن الملك ينزل علي لأكلته . فقد بان بهذا الحديث أنه ليس بمحرم وأنه مباح ، وأن النهي عنه إنما ورد من أجل أن الملك كان يتأذى به . ومنها ( أيضا ) حديث أبي سعيد الخدري ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم ، فلا يقربن مسجدنا ، ولا [ ص: 417 ] يأتينا يمسح جبهته ، قال : فقلت : يا أبا سعيد أحرام هي ؟ قال : ( لا ) إنما كرهها النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل ريحها ، وهذا نص عن صاحب عرف مخرج النهي .

ومثله حديث جابر ذكره البخاري ( قال ) : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو عاصم ، قال : أنبأنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة يريد الثوم ، فلا يغشانا في مساجدنا قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه ، قال : وقال مخلد بن يزيد ، عن ابن جريج : إلا نتنه ، قال : وحدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثنا ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عطاء أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل ثوما ( أو بصلا ) فليعتزلنا ، أو فليعتزل مسجدنا ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا ، قال : فأخبر بما فيها من البقول فقال : قربوها إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها ، قال : كل ، فإني أناجي من لا تناجي .

قال أبو عمر :

هذا بين في الخصوص ( له ) والإباحة لمن سواه ، وهذا الحديث ذكره أبو داود ( قال ) : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن [ ص: 418 ] شهاب ، قال : حدثني ( عطاء ) بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله ، قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل ثوما أو بصلا فذكره سواء إلى آخره ، قال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو أن بكر بن سوادة حدثه أن أبا النجيب مولى عبد الله بن سعد حدثه أن أبا سعيد الخدري حدثه أنه ذكر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثوم والبصل ، وقيل : يا رسول الله وأشد ذلك كله الثوم أفتحرمه ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كلوه ، ومن أكله منكم ، فلا يقرب هذا المسجد حتى يذهب ريحه منه . ومثل هذا أيضا حديث أم أيوب الأنصارية ، حدثنا سعيد بن نصر ( قال ) : حدثنا قاسم بن أصبغ ( قال ) : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ( قال ) : حدثنا الحميدي ( قال ) : حدثنا سفيان ، قال : حدثني عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : أخبرني أبي أن أم أيوب الأنصارية أخبرته ، قالت : نزل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتكلفنا له طعاما فيه بعض هذه البقول فكرهه ، وقال لأصحابه : إني لست كأحد منكم ، فإني أكره أن أوذي صاحبي . قال : قال سفيان : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقلت : يا رسول الله ، هذا الحديث الذي تحدث به أم أيوب عنك أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ، قال : حق . ومثل هذا حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الثوم ، ولا الكراث ، ولا [ ص: 419 ] البصل من أجل أن الملائكة تأتيه ، ومن أجل أنه يكلم جبريل عليه السلام . رواه عبد الله بن يوسف ( والقعنبي ) وطائفة ، عن مالك ( في الموطأ هكذا . ورواه محمد بن إسحاق البكري ، عن يحيى بن يحيى النيسابوري ، عن مالك ) أنه قرأ عليه عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يأكل الثوم ، ولا الكراث ، ولا البصل من أجل أن الملائكة تأتيه ، وأنه يكلم جبريل عليه السلام . قال الدارقطني : هذا مما انفرد به محمد بن إسحاق البكري بهذا الإسناد ، وهو ضعيف ، وما جاء به وهم ، لأنه في الموطأ ، عن الزهري ، عن سليمان بن يسار مرسل . وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أنبأنا إسحاق بن منصور ، قال : أنبأنا يحيى ، عن ابن جريج ، قال : حدثنا عطاء ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة ، قال أول يوم الثوم ، ثم قال : الثوم ، والبصل ، والكراث ، فلا يقربنا في مساجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس .

وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا سفيان بن فروخ ، قال : حدثنا أبو الهلال ، قال : حدثنا حميد بن هلال عن أبي بردة ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : أكلت ثوما ، فأتيت مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سبقت بركعة ، فلما دخلت المسجد وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ريح الثوم ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، قال : من أكل من هذه الشجرة ، فلا يقربنا حتى يذهب ريحها فلما قضيت الصلاة [ ص: 420 ] جئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله والله لتعطيني يدك ( قال ) : فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري ، فإذا أنا معصوب ( الصدر ) فقال : إن لك عذرا ، قال أبو داود : وحدثنا مسدد ، قال : حدثنا الجراح أبو وكيع ، عن أبي إسحاق ، عن ( شريك بن حنبل ) عن علي ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الثوم إلا مطبوخا . وحدثنا عبد الوارث وسعيد قالا : حدثنا قاسم بن ( أصبغ ) قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق وبكر ، قالا : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا أبو وكيع ، عن أبي إسحاق ، عن شريك بن حنبل عن علي ، فذكره .

قال أبو عمر :

( ففي ) هذه الأحاديث ، أوضح الدلائل على أن أكل الثوم ليس به بأس وأنه مباح ، وقد أكله جماعة من الصحابة والتابعين ، وأجاز أكله جمهور علماء المسلمين . أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي أن أباه أخبره ، قال : أنبأنا أحمد بن خالد ، قال : أنبأنا الحسن بن أحمد ، قال : حدثنا محمد بن عبيد ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا سعيد بن أبي صدقة . وقد ذكره أيوب ، عن محمد أن ابن عمر سئل عن [ ص: 421 ] الثوم والبصل فقال : اذهبوا واقطعوا عنكم ريحها بالنضج . وحدثنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا الحسن بن أحمد ، قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع أن ابن عمر أصابه بهر زمن أذربيجان فنعت له الثوم فكنا ننظمه فنجعله في حساء له .

وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد ، قال : حدثنا أحمد ( بن ) الفضل الدينوري ، قال : حدثنا محمد بن جرير ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا أبي وشعيب بن الليث ( عن الليث ) بن سعد ، عن يزيد بن الهادي ، قال : قلت لنافع : هل كان ابن عمر يأكل الثوم في اللحم ؟ قال : نعم فهذا ابن عمر قد روى الحديث في الثوم ، وكان يأكله فدل على أنه قد علم المراد ، وعرف المقصد .

أخبرنا خلف بن القاسم أنبأنا أحمد بن محمد بن أبي الموت حدثنا أبو صالح ، حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج ، حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا الأوزاعي ، عن أبي عبيد ، عن نعيم بن سلامة قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يأكل ثوما مسلوقا بماء وملح وزيت .

ولو ذكرنا الآثار عن العلماء في ذلك لطولنا وأمللنا ، والأمر الواضح لا [ ص: 422 ] وجه للتطويل فيه .

وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن حضور الجماعة ليس بفرض ، لأنه لو كان فرضا ما كان أحد ليباح له ما يحبسه عن الفرض ، وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة ، وقد بينا أن أكله مباح فدل ذلك على ما وصفنا وبالله عصمتنا ، ألا ترى أن الجمعة إذا نودي لها حرم على المسلمين كل ما يحبس عنها من بيع وقعود ورقاد وصلاة ، وكل ما يشتغل به المرء عنها ، وكذلك من كان ( من أهل المصر ) حاضرا فيه لا عذر له في التخلف عن الجمعة ، أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها فلو كانت الجماعة فرضا لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حراما ، وقد ثبتت إباحته فدل ذلك على أن حضور الجماعة ليس بفرض ، والله أعلم .

وإنما حضورها سنة وفضيلة ، وعمل بر ، ومما يدل على أن حضور الجماعة ليس بفرض قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حضر العشاء ، وسمعتم الإقامة بالصلاة ، فابدءوا بالعشاء . وفي الحديث المذكور أيضا من الفقه أن آكل الثوم يبعد من المسجد ويخرج عنه ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقرب ( مسجدنا ، أو ) مساجدنا ، لأنه يؤذينا بريح الثوم ، وإذا كانت العلة من المسجد أنه يتأذى [ ص: 423 ] به ففي القياس أن كل ما يتأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم في المسجد مستطيلا ، أو كان ذا ريحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته ، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه ، وكل ما يتأذى به الناس إذا وجد في أحد جيران المسجد ، وأرادوا إخراجه عن المسجد وإبعاده عنه كان ذلك لهم ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول ، فإذا زالت بإفاقة أو توبة ، أو أي وجه زالت ، كان له مراجعة المسجد ، وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم - رحمه الله - أفتى في رجل شكاه جيرانه وأثبتوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشور فيه ، فأفتى بإخراجه عن المسجد وإبعاده عنه . وأن لا يشاهد معهم الصلاة إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه فذاكرته يوما أمره وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول ، فاستدل بحديث الثوم ، وقال : هو عندي أكثر أذى من آكل الثوم ، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد ، وذكر الحديث أنه كان إذا وجد من أحد ريح ثوم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرج عنه وربما أبعد حتى يبلغ به البقيع .

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال : حدثنا أحمد بن [ ص: 424 ] شعيب ، قال : أنبأنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا هشام ، قال : حدثنا قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب ، قال : إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، ولقد رأيت نبي الله إذا وجد ريحها من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلها فليمتهما طبخا . فهذا عمر بن الخطاب يجيز أكل البصل والثوم مطبوخين على حسبما ذكرنا ، وهذا هو الصحيح في هذا الباب ، والله الموفق للصواب .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا همام بن يحيى ، قال : حدثنا قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني ، عن معدان بن أبي طلحة العمري أن عمر قام على المنبر يوم جمعة فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر الحديث بمعنى ما تقدم سواء إلى آخره . وروى جرير بن عبد الحميد وزهير بن معاوية ، عن مطرف بن طريف عن أبي الجهم عن أبي القاسم مولى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال : لما افتتحت خيبر أكلوا من الثوم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه البقلة الخبيثة ، فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها من فيه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث