الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 151 ] 38 - الحديث الثالث : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أعطيت خمسا ، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي المغانم ، ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة } .

التالي السابق


" جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام - بفتح الحاء المهملة ، وبعدها راء مهملة - الأنصاري السلمي - بفتح السين واللام - منسوب إلى بني سلمة - بكسر اللام - يكنى أبا عبد الله . توفي سنة إحدى وستين من الهجرة ، وهو ابن إحدى وتسعين ، والكلام على حديثه من وجوه :

الأول : قوله صلى الله عليه وسلم " أعطيت خمسا " تعديد للفضائل التي خص بها ، دون سائر الأنبياء عليهم السلام ، وظاهره : يقتضي أن كل واحدة من هذه الخمس لم تكن لأحد قبله ، ولا يعترض على هذا بأن نوحا عليه السلام - بعد خروجه من الفلك - كان مبعوثا إلى أهل الأرض ; لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه ، وقد كان مرسلا إليهم ; لأن هذا العموم في الرسالة لم يكن في أصل البعثة ، وإنما وقع لأجل الحادث الذي حدث ، وهو انحصار الناس في الموجودين لهلاك سائر الناس ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم : فعموم رسالته في أصل بعثته ، وأيضا فعموم الرسالة : يوجب قبولها عموما في الأصل والفروع ، وأما التوحيد ، وتمحيص العبادة لله عز وجل : فيجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء ، وإن كان التزام فروع شرعه ليس عاما فإن من الأنبياء المتقدمين عليهم السلام من قاتل غير قومه على الشرك وعبادة غير الله تعالى ، فلو لم يكن التوحيد لازما لهم بشرعه ، أو شرع غيره : لم يقاتلوا ، ولم يقتلوا ، إلا على طريقة المعتزلة [ ص: 152 ] القائلين بالحسن والقبح العقليين ويجوز أن تكون الدعوة على التوحيد عامة ، لكن على ألسنة أنبياء متعددة ، فثبت التكليف به لسائر الخلق ، وإن لم تعم الدعوة به بالنسبة إلى نبي واحد .



الثاني : قوله صلى الله عليه وآله وسلم نصرت بالرعب الرعب : هو الوجل والخوف لتوقع نزول محظور ، والخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث : مقيدة بهذا القدر من الزمان ، ويفهم منه أمران :

أحدهما : أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة .

والثاني : أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها ، فإنه مذكور في سياق الفضائل والخصائص ، ويناسبه : أن تذكر الغاية فيه ، وأيضا ، فإنه لو وجد لغيره في أكثر من هذه المسافة لحصل الاشتراك في الرعب في هذه المسافة ، وذلك ينفي الخصوصية بها .

الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الأرض مسجدا " المسجد : موضع السجود في الأصل ، ثم يطلق في العرف على المكان المبني للصلاة التي السجود منها ، وعلى هذا : فيمكن أن يحمل " المسجد " ههنا على الوضع اللغوي ، أي جعلت لي الأرض كلها مسجدا ، أعني موضع السجود ، أي لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، ويمكن أن تجعل مجازا عن المكان المبني للصلاة ; لأنه لما جازت الصلاة جميعها كانت كالمسجد في ذلك فإطلاق اسمه عليها من مجاز التشبيه والذي يقرب هذا التأويل : أن الظاهر أنه إنما أريد : أنها مواضع للصلاة بجملتها ، ولا للسجود فقط منها ; لأنه لم ينقل : أن الأمم الماضية كانت تخص السجود وحده بموضع دون موضع .



الرابع : قوله صلى الله عليه وسلم " طهورا " استدل به على أمور :

أحدها : أن الطهور هو المطهر لغيره ، ووجه الدليل : أنه ذكر خصوصيته بكونها طهورا ، أي مطهرا ، ولو كان " الطهور " هو الطاهر : لم تثبت الخصوصية ، [ ص: 153 ] فإن طهارة الأرض عامة في حق كل الأمم .

الأمر الثاني : استدل به من جوز التيمم بجميع أجزاء الأرض ، لعموم قوله " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " والذين خصوا التيمم بالتراب : استدلوا بما جاء في الحديث الآخر " وجعلت تربتها لنا طهورا " وهذا خاص ينبغي أن يحمل عليه العام وتختص الطهورية بالتراب ، واعترض على هذا بوجوه : منها : منع كون التربة مرادفة للتراب ، وادعي أن تربة كل مكان : ما فيه من تراب أو غيره مما يقاربه .

ومنها : أنه مفهوم لقب ، أعني تعليق الحكم بالتربة ، ومفهوم اللقب : ضعيف عند أرباب الأصول ، وقالوا : لم يقل به إلا الدقاق ، ويمكن أن يجاب عن هذا : بأن في الحديث قرينة زائدة عن مجرد تعليق الحكم بالتربة ، وهو الافتراق في اللفظ بين جعلها مسجدا ، وجعل تربتها طهورا على ما في ذلك الحديث ، وهذا الافتراق في هذا السياق قد يدل على الافتراق في الحكم ، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقا ، كما في الحديث الذي ذكره المصنف .

ومنها : أن الحديث المذكور الذي خصت فيه " التربة " بالطهورية لو سلم أن مفهومه معمول به ، لكان الحديث الآخر بمنطوقه يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض ، أعني قوله صلى الله عليه وسلم " مسجدا وطهورا " فإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته ، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته ، فالمنطوق مقدم على المفهوم ، وقد قالوا : إن المفهوم يخصص العموم ، فتمتنع هذه الأولوية ، إذا سلم المفهوم ههنا ، وقد أشار بعضهم إلى خلاف هذه القاعدة ، أعني تخصيص العموم [ ص: 154 ] بالمفهوم ، ثم عليك - بعد هذا كله - بالنظر في معنى ما أسلفناه من حاجة التخصيص إلى التعارض بينه وبين العموم في محله .

الأمر الثالث : أخذ منه بعض المالكية : أن لفظة طهور تستعمل لا بالنسبة إلى الحدث ، ولا الخبث . وقال : إن " الصعيد " قد يسمى طهورا ، وليس عن حدث ، ولا عن خبث ; لأن التيمم لا يرفع الحدث ، هذا أو معناه ، وجعل ذلك جوابا عن استدلال الشافعية على نجاسة فم الكلب ، لقوله صلى الله عليه وسلم { طهور إناء أحدكم ، إذا ولغ فيه الكلب : أن يغسله سبعا } فقالوا " طهور " يستعمل إما عن حدث أو خبث ، ولا حدث على الإناء ، فيتعين أن يكون عن خبث ، فمنع هذا المجيب المالكي الحصر . وقال : إن لفظة " طهور " تستعمل في إباحة الاستعمال ، كما في التراب ، إذ لا يرفع الحدث كما قلنا ، فيكون قوله " طهور إناء أحدكم " مستعملا في إباحة استعماله ، أعني الإناء ، كما في التيمم ، وفي هذا عندي نظر ، فإن التيمم - وإن قلنا : إنه لا يرفع الحدث - لكنه عن حدث ، أي الموجب لفعله حدث . وفرق بين قولنا " إنه عن حدث " وبين قولنا " إنه لا يرفع الحدث " وربما تقدم هذا أو بعضه .



الخامس : قوله صلى الله عليه وسلم " فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " مما يستدل به على عموم التيمم بأجزاء الأرض ; لأن قوله صلى الله عليه وسلم " أيما رجل " صيغة عموم ، فيدخل تحته من لم يجد ترابا ، ووجد غيره من أجزاء الأرض . ومن خص التيمم بالتراب يحتاج أن يقيم دليلا يخص به هذا العموم ، أو يقول : دل الحديث على أنه يصلي ، وأنا أقول بذلك . فمن لم يجد ماء ولا ترابا : صلى على حسب حاله . فأقول بموجب الحديث ، إلا أنه قد جاء في رواية أخرى " فعنده طهوره ومسجده " والحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها بعضا .

[ ص: 155 ] السادس : قوله صلى الله عليه وسلم " وأحلت لي الغنائم " يحتمل أن يراد به : جواز أن يتصرف فيها كيف يشاء ، ويقسمها كما أراد ، كما في قوله عز وجل : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } ويحتمل أن يراد به : لم يحل منها شيء لغيره وأمته . وفي بعض الأحاديث ما يشعر ظاهره بذلك ، ويحتمل أن يراد بالغنائم بعضها ، وفي بعض الأحاديث " وأحل لنا الخمس " أو كما قال . أخرجه ابن حبان بكسر الحاء وبعدها باء موحدة في صحيحه .



السابع : قوله صلى الله عليه وسلم " وأعطيت الشفاعة " قد ترد الألف واللام للعهد ، كما في قوله تعالى : { فعصى فرعون الرسول } وترد للعموم ، نحو قوله صلى الله عليه وسلم { المسلمون تتكافأ دماؤهم } وترد لتعريف الحقيقة ، كقولهم : الرجل خير من المرأة ، والفرس خير من الحمار .

إذا ثبت هذا فنقول : الأقرب أنها في قوله صلى الله عليه وسلم " وأعطيت الشفاعة " للعهد ، وهو ما بينه صلى الله عليه وسلم من شفاعته العظمى ، وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام بتعجيل حسابهم ، وهي شفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم ولا خلاف فيها ، ولا ينكرها المعتزلة . والشفاعات الأخروية خمس : إحداها : هذه ، وقد ذكرنا اختصاص الرسول بها ، وعدم الخلاف فيها ، وثانيتها : الشفاعة في إدخال قوم الجنة من دون حساب ، وهذه قد وردت أيضا لنبينا صلى الله عليه وسلم ولا أعلم الاختصاص فيها ، ولا عدم الاختصاص . وثالثتها : قوم قد استوجبوا النار ، فيشفع في عدم دخولهم لها . وهذه أيضا قد تكون غير مختصة . ورابعتها : قوم دخلوا النار ، فيشفع في خروجهم منها ، وهذه قد ثبت فيها عدم الاختصاص ، لما صح في الحديث من شفاعة الأنبياء والملائكة وقد ورد أيضا " الإخوان من المؤمنين يشفعون " . وخامستها : الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها . وهذه أيضا لا تنكرها المعتزلة .

فتلخص من هذا : أن من الشفاعة منها ما علم الاختصاص به ، ومنها : ما علم عدم الاختصاص به . ومنها : ما يحتمل الأمرين ، فلا تكون الألف واللام للعموم ، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تقدم منه إعلام الصحابة بالشفاعة الكبرى المختص بها هو ، التي صدرنا بها الأقسام الخمسة ، فلتكن الألف واللام للعهد . وإن كان لم [ ص: 156 ] يتقدم ذلك على هذا الحديث ، فلتجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة وتنزل على تلك الشفاعة ; لأنه كالمطلق حينئذ ، فيكفي تنزيله على فرد .

وليس لك أن تقول : لا حاجة إلى هذا التكلف ، إذ ليس في الحديث إلا قوله " وأعطيت الشفاعة " وكل هذه الأقسام التي ذكرتها : قد أعطيها صلى الله عليه وسلم فليحمل اللفظ على العموم ; لأنا نقول : هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها صلى الله عليه وسلم فلفظها - وإن كان مطلقا - إلا أن ما سبق في صدر الكلام : يدل على الخصوصية ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " لم يعطهن أحد قبلي " ، وأما قوله " وكان النبي يبعث إلى قومه " فقد تقدم الكلام عليه في صدر الحديث . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث