الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس

جزء التالي صفحة
السابق

54 - الحديث التاسع : عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال { شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي : عمر - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب } .

[ ص: 183 ]

55 - الحديث العاشر : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس } .

التالي السابق


في الحديث الأول : رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر الصحابة رضي الله عنهم . وقوله { نهى عن الصلاة بعد الصبح } أي بعد صلاة الصبح " وبعد العصر " أي بعد صلاة العصر ، فإن الأوقات المكروهة على قسمين :

منها : ما تتعلق الكراهة فيه بالفعل ، بمعنى أنه إن تأخر الفعل لم تكره الصلاة قبله . وإن تقدم في أول الوقت كرهت . وذلك في صلاة الصبح وصلاة العصر . وعلى هذا يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر .

ومنها : ما تتعلق فيه الكراهة بالوقت ، كطلوع الشمس إلى الارتفاع ، ووقت الاستواء . ولا يحسن أن يكون الحكم في هذا الحديث معلقا بالوقت ; لأنه لا بد من أداء صلاة الصبح وصلاة العصر . فتعين أن يكون المراد : بعد صلاة الصبح ، وبعد صلاة العصر . وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار . وعن بعض المتقدمين والظاهرية : فيه خلاف من بعض الوجوه . وصيغة النفي إذا دخلت على الفعل في ألفاظ صاحب الشرع ، فالأولى : حملها على نفي الفعل الشرعي . لا على نفي الفعل الوجودي . فيكون قوله " لا صلاة بعد الصبح " نفيا للصلاة الشرعية ، لا الحسية . وإنما قلنا ذلك ; لأن الظاهر : أن الشارع يطلق ألفاظه على عرفه . وهو الشرعي . وأيضا ، فإنا إذا حملناه على الفعل الحسي - وهو غير منتف - احتجنا إلى [ ص: 184 ] إضمار لتصحيح اللفظ . وهو المسمى بدلالة الاقتضاء . ويبقى النظر في أن اللفظ يكون عاما أو مجملا ، أو ظاهرا في بعض المحامل . أما إذا حملناه على الحقيقة الشرعية لم نحتج إلى إضمار . فكان أولى .

ومن هذا البحث يطلع على كلام الفقهاء في قوله صلى الله عليه وسلم { لا نكاح إلا بولي } فإنك إذا حملته على الحقيقة الشرعية ، لم تحتج إلى إضمار . فإنه يكون نفيا للنكاح الشرعي . وإن حملته على الحقيقة الحسية - وهي غير منتفية عند عدم الولي حسا - احتجت إلى إضمار . فحينئذ يضمر بعضهم " الصحة " وبعضهم " الكمال " وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم { لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل } . وأما حديث أبي سعيد الخدري . وهو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان . و " خدرة " من الأنصار . فالكلام عليه تقدم . وفي هذا الحديث زيادة على الأول . فإنه مد الكراهة إلى ارتفاع الشمس . وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق ، بل الارتفاع الذي تزول عنده صفرة الشمس ، أو حمرتها . وهو مقدر بقدر رمح أو رمحين . وقوله " لا صلاة " في الحديثين ، عام في كل صلاة . وخصه الشافعي ومالك بالنوافل ، ولم يقولا به في الفرائض الفوائت . وأباحاها في سائر الأوقات .

وأبو حنيفة يقول بالامتناع . وهو أدخل في العموم ، إلا أنه قد يعارض بقوله صلى الله عليه وسلم { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها } وكونه جعل ذلك وقتا لها . وفي رواية " لا وقت لها إلا ذلك " إلا أن بين الحديثين عموما وخصوصا من وجه . فحديث النهي عن الصلاة بعد الصبح ، وبعد العصر : خاص في الوقت ، عام في الصلاة . وحديث النوم والنسيان : خاص في الصلاة الفائتة ، عام في الوقت . فكل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه ، وخاص من وجه . فليعلم ذلك . قال المصنف رحمه الله : وفي الباب عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة ، وسمرة بن جندب ، وسلمة بن الأكوع ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ ابن عفراء ، وكعب بن مرة ، وأبي أمامة الباهلي ، [ ص: 185 ] وعمرو بن عبسة السلمي ، وعائشة رضي الله عنهم ، والصنابحي . ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم . أما " علي فهو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، أبو الحسن واسم أبيه أبي طالب : عبد مناف . وقيل اسمه : كنيته . وعلي رضي الله عنه ذو الفضائل الجمة التي لا تخفى . قيل : أسلم وهو ابن ثلاث عشرة ، أو اثنتي عشرة ، أو خمس عشرة أو ست عشرة ، أو عشر ، أو ثمان . أقوال . وقتل رضي الله عنه بالكوفة سنة أربعين من الهجرة في رمضان .

وأما عبد الله بن مسعود بن شمخ ، فهو أبو عبد الرحمن ، أحد علماء الصحابة وأكابرهم . مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين . وأما عبد الله بن عمر فهو : أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن مرة العدوي . ورياح في نسبه : بكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف . ورزاح : بفتح الراء المهملة ، بعدها زاي مفتوحة . وتوفي رحمه الله في سنة ثلاث وسبعين .

وأما عبد الله بن عمرو : فهو أبو محمد - وقيل : أبو عبد الرحمن ، وقيل : أبو نصير ، بضم النون وفتح الصاد - عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد - بضم السين وفتح العين - ابن سهم ، السهمي . أحد حفاظ الصحابة للحديث . والمكثرين فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قيل : إنه مات ليالي الحرة ، وكانت الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين . وقيل : مات سنة ثلاث وسبعين وقيل : غيره .

[ ص: 186 ] وأما أبو هريرة : فقد تقدم الكلام عليه .

وأما سمرة : فأبو عبد الرحمن - وقيل : أبو عبد الله ، أو أبو سليمان ، أو أبو سعيد - : سمرة بن جندب - بضم الدال ، وقد يقال بفتحها - ابن هلال . فزاري ، حليف الأنصار . قاله الواقدي . توفي بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين .

وأما سلمة بن الأكوع : فهو سلمة بن عمرو بن الأكوع ، منسوب إلى جده الأكوع سنان بن عبد الله . وسلمة أسلمي ، يكنى أبا مسلم . وقيل : أبا إياس وقيل : أبا عامر . أحد شجعان الصحابة وفضلائهم . مات سنة أربع وسبعين . وهو ابن ثمانين سنة .

وأما زيد بن ثابت : فهو أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد أنصاري نجاري . وقيل : يكنى أبا سعيد . وقيل : أبا عبد الرحمن . يقال : إنه كان حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة : ابن إحدى عشرة سنة . وكان رضي الله عنه من أكابر الصحابة ، متقدما في علم الفرائض . وقيل : مات سنة خمس وأربعين . وقيل : اثنتين . وقيل : ثلاث . وقيل : غير ذلك

وأما معاذ ابن عفراء : فهو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد - في قول ابن إسحاق - وقال ابن هشام : هو معاذ بن الحارث ابن عفراء بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجار . وقال موسى بن عقبة : معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث .

وأما كعب بن مرة : فبهزي ، سلمي - فيما قيل - مات بالشام سنة تسع وخمسين وقيل غيره .

وأما أبو أمامة الباهلي : فاسمه صدي بن عجلان ، وصدي - بضم الصاد المهملة ، وفتح الدال ، وتشديد الياء - من المكثرين في الرواية . مات بالشام سنة [ ص: 187 ] إحدى وثمانين . وقيل : سنة ست وثمانين . وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في قول بعضهم

. وأما عمرو بن عبسة : فهو أبو نجيح . ويقال : أبو شعيب عمرو بن عبسة - بفتح العين والباء معا ، والباء تلي العين - ابن عامر بن خالد ، سلمي . لقي النبي صلى الله عليه وسلم قديما في أول الإسلام . وروي عنه أنه قال " لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام " ثم لقيه بعد الهجرة

وأما عائشة رضي الله عنها : فقد تقدم الكلام في أمرها .

وأما الصنابحي : فهو عبد الرحمن بن عسيلة ، منسوب إلى قبيلة من اليمن ، كنيته أبو عبد الله - كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده . فلما انتهى إلى الجحفة لقيه الخبر بموته صلى الله عليه وسلم . وكان فاضلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث