الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأول يذكر الراوي عقب الحديث كلاما لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا

[ ص: 314 ] النوع العشرون :

المدرج هو أقسام ، أحدها : مدرج في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يذكر الراوي عقيبه كلاما لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا فيتوهم أنه من الحديث .

( النوع العشرون المدرج ، هو أقسام : أحدها : مدرج في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يذكر الراوي عقيبه كلاما لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا ) بالحديث من غير فصل ( فيتوهم أنه من ) تتمة [ ص: 315 ] ( الحديث ) المرفوع ، ويدرك ذلك بوروده منفصلا في رواية أخرى ، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي ، أو بعض الأئمة المطلعين ، أو باستحالة كونه - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك .

مثال ذلك ما رواه أبو داود ، ثنا عبيد الله بن محمد النفيلي ثنا زهير ، ثنا الحسن بن الحر ، عن القاسم بن مخيمرة : قال أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد عبد الله بن مسعود ، فعلمنا التشهد في الصلاة ، الحديث ، وفيه : " إذا قلت هذا - أو قضيت هذا - فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد " .

فقوله : إذا قلت إلى آخره ، وصله زهير بن معاوية بالحديث المرفوع في رواية أبي داود هذه ، وفيما رواه عنه أكثر الرواة .

قال الحاكم : وذلك مدرج في الحديث من كلام ابن مسعود ، وكذا قال البيهقي والخطيب .

وقال المصنف في الخلاصة : اتفق الحفاظ على أنها مدرجة ، وقد رواه شبابة بن سوار ، عن زهير ، ففصله ، فقال : قال عبد الله : فإذا قلت ذلك إلى آخره ; رواه الدارقطني ، وقال شبابة ثقة ، وقد فصل آخر الحديث ، وجعله من قول ابن مسعود ، وهو أصح من رواية من أدرج ، وقوله أشبه بالصواب ; لأن ابن ثوبان رواه [ ص: 316 ] عن الحسن ، كذلك مع اتفاق كل من روى التشهد ، عن علقمة ، وعن غيره ، عن ابن مسعود ، على ذلك .

وكذا ما أخرجه الشيخان من طريق ابن أبي عروبة ، وجرير بن حازم ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة : من أعتق شقصا ، وذكر فيه الاستسعاء .

قال الدارقطني فيما انتقده على الشيخين : قد رواه شعبة ، وهشام ، وهما أثبت الناس في قتادة فلم يذكر فيه الاستسعاء ، ووافقهما همام ، وفصل الاستسعاء من الحديث ، وجعله من قول قتادة .

قال الدارقطني : وذلك أولى بالصواب .

وكذا حديث ابن مسعود رفعه : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار ، ففي رواية أخرى : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة ، وقلت أنا أخرى فذكرها .

فأفاد ذلك أن إحدى الكلمتين من قول ابن مسعود ، ثم وردت رواية ثالثة أفادت أن الكلمة التي هي من قوله هي الثانية ، وأكد ذلك رواية رابعة اقتصر فيها على الكلمة الأولى مضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي الصحيح ، عن أبي هريرة مرفوعا : " للعبد المملوك أجران " ، والذي نفسي بيده [ ص: 317 ] لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت ، وأنا مملوك " .

فقوله : والذي نفسي بيده . إلخ من كلام أبي هريرة ; لأنه يمتنع منه - صلى الله عليه وسلم - أن يتمنى الرق ، ولأن أمه لم تكن إذ ذاك موجودة حتى يبرها .

تنبيه

هذا القسم يسمى مدرج المتن ، ويقابله مدرج الإسناد ، وكل منهما ثلاثة أنواع ، اقتصر المصنف في الأول على نوع واحد تبعا لابن الصلاح ، وأهمل نوعين ، وأهمل من الثاني نوعا ، وهو عند ابن الصلاح .

فأما مدرج المتن : فتارة يكون في آخر الحديث ، كما ذكره ، وتارة في أوله ، وتارة في وسطه ، كما ذكره الخطيب ، وغيره .

والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر ، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ; لأن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث ، فيأتي به بلا فصل ، فيتوهم أن الكل حديث .

مثاله ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة ، فرقهما عن شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار .

فقوله : أسبغوا الوضوء ، مدرج من قول أبي هريرة ، كما بين في رواية البخاري ، عن آدم ، عن شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، قال : أسبغوا الوضوء ، فإن أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - قال : ويل للأعقاب من النار .

[ ص: 318 ] قال الخطيب : وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له ، عن شعبة على ما سقناه ، وقد رواه الجم الغفير عنه ، كرواية آدم .

ومثال المدرج في الوسط ، والسبب فيه إما استنباط الراوي حكما من الحديث قبل أن يتم فيدرجه ، أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة ونحو ذلك .

فمن الأول ما رواه الدارقطني في " السنن " من رواية عبد الحميد بن جعفر ، عن هشام ، عن عروة ، عن أبيه ، عن بسرة بنت صفوان قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من مس ذكره ، أو أنثييه ، أو رفغيه فليتوضأ .

قال الدارقطني : كذا رواه عبد الحميد ، عن هشام ، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه لذلك في حديث بسرة ، والمحفوظ أن ذلك قول عروة ، وكذا رواه الثقات ، عن هشام منهم أيوب ، وحماد بن زيد ، وغيرهما ، ثم رواه من طريق أيوب بلفظ : من مس ذكره ، فليتوضأ ، قال : وكان عروة يقول : إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ . وكذا قال الخطيب .

فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة ، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك ، فقال ذلك ، فظن بعض الرواة ، أنه من صلب الخبر ، فنقله مدرجا فيه ، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا .

ومن الثاني حديث عائشة في بدء الوحي : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحنث في غار حراء - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد ، فقوله : وهو التعبد ، مدرج من قول الزهري .

[ ص: 319 ] وحديث فضالة : أنا زعيم ، والزعيم : الحميل ببيت في ربض الجنة . الحديث .

فقوله : والزعيم : الحميل ، مدرج من تفسير ابن وهب ، وأمثلة ذلك كثيرة .

قال ابن دقيق العيد : والطريق إلى الحكم بالإدراج في الأول والأثناء ضعيف ، لا سيما إن كان مقدما على اللفظ المروي ، أو معطوفا عليه بواو العطف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث