الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل :

يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب الرواية ، ويتخذ مستمليا محصلا متيقظا يبلغ عنه إذا كثر الجمع على عادة الحفاظ ، ويستملي مرتفعا وإلا قائما وعليه تبليغ لفظه على وجهه . وفائدة المستملي تفهيم السامع على بعد ، وأما من لم يسمع إلا المبلغ فلا يجوز له روايته عن المملي إلا أن يبين الحال ، وقد تقدم هذا في الرابع والعشرين .

ويستنصت المستملي الناس بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن ، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحرى الأبلغ فيه ، ثم يقول للمحدث من أو ما ذكرت رحمك الله ؟ أو رضي عنك وما أشبهه ، وكلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه وسلم .

. قال الخطيب : ويرفع بها صوته ، وإذا ذكر صحابيا : رضي عليه ، فإن كان ابن صحابي قال : رضي الله عنهما ، ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه حال الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف ، وليعتن بالدعاء له فهو أهم ، ولا بأس بذكر من يروي عنه بلقب أو وصف أو حرفة أو أم عرف بها . ويستحب أن يجمع في إملائه جماعة من شيوخه مقدما أرجحهم ، ويروي عن كل شيخ حديثا ويختار ما علا سنده وقصر متنه ، والمستفاد منه ، وينبه على صحته وما فيه من علو وفائدة ، وضبط مشكل ، وليجتنب ما لا تحتمله عقولهم وما لا يفهمونه ، ويختم الإملاء بحكايات ونوادر وإنشادات بأسانيدها ، وأولاها ما في الزهد ، والآداب ، ومكارم الأخلاق . وإذا قصر المحدث أو اشتغل عن تخريج الإملاء استعان ببعض الحفاظ ، وإذا فرغ الإملاء قابله وأتقنه .

التالي السابق


( فصل :

يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب الرواية ) ، والسماع فيه أحسن وجوه التحمل وأقواها .

روى ابن عدي والبيهقي في " المدخل " من طريقه : أنبأنا عبد الصمد بن عبد الله ومحمد بن بشر الدمشقيان ، قالا : حدثنا هشام بن عمار ، ثنا أبو الخطاب معروف الخياط ، قال : رأيت واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه يملي على الناس الأحاديث ، وهم يكتبونها بين يديه .

( ويتخذ مستمليا محصلا متيقظا يبلغ عنه إذا كثر الجمع على عادة الحفاظ ) في ذلك ، كما روي عن مالك ، وشعبة ووكيع وخلائق .

وقد روى أبو داود والنسائي من حديث رافع بن عمرو قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء . وعلي يعبر عنه .

وفي الصحيح عن أبي جمرة قال : كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس .

فإن كثر الجمع بحيث لا يكفي مستمل اتخذ مستمليين فأكثر ، فقد أملى أبو مسلم الكجي في رحبة غسان ، وكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد صاحبه الذي يليه ، وحضر عنده نيف وأربعون ألف محبرة سوى النظارة .

وكان يحضر مجلس عاصم بن علي أكثر من مائة ألف إنسان .

ولا يكون المستملي بليدا ، كمستملي يزيد بن هارون ، حيث سئل يزيد عن حديث فقال : حدثنا به عدة ، فصاح المستملي : يا أبا خالد عدة ابن من ؟ فقال له : ابن فقدتك .

ومن لطيف ما ورد في الاستملاء ، ما حكاه المزي في تهذيبه عن عبدان بن محمد المروزي قال : رأيت الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي في النوم ، فقلت ما فعل الله تعالى بك ، قال : غفر لي وأمرني أن أحدث في السماء السابعة كما كنت أحدث في الأرض ، فحدثت في السماء السابعة ، فاجتمع علي الملائكة واستملى علي جبريل ، وكتبوا بأقلام من الذهب .

وعن أحمد بن جعفر التستري قال : لما جاءني يعقوب بن سفيان رأيته في النوم كأنه يحدث في السماء السابعة وجبريل يستملي عليه .

( ويستملي مرتفعا ) على كرسي ونحوه ، ( وإلا قائما ) على قدميه ، ليكون أبلغ للسامعين ، ( وعليه ) أي المستملي وجوبا ( تبليغ لفظه ) أي المملي وأداؤه ( على وجهه ) من غير تغيير .

( وفائدة المستملي تفهيم السامع ) لفظ المملي ( على بعد ) ليتحققه بصوته .

( وأما من لم يسمع إلا المبلغ ، فلا يجوز له روايته عن المملي ؛ إلا أن يبين الحال ، وقد تقدم هذا ) بما فيه ( في ) النوع ( الرابع والعشرين ) .

( ويستنصت المستملي الناس ) أي أهل المجلس ، حيث احتيج للاستنصات ، ففي الصحيحين من حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : استنصت الناس ، ( بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن ) لما تقدم .

( ثم يبسمل ) المستملي ، ( ويحمد الله تعالى ، ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويتحرى الأبلغ فيه ) من ألفاظ الحمد والصلاة .

وقد ذكر المصنف في " الروضة " عن المتولي وجماعة من الخراسانيين : أن أبلغ ألفاظ الحمد ، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، وقال : ليس لذلك دليل معتمد .

قال البلقيني : بل الحمد لله رب العالمين ، لأنه فاتحة الكتاب وآخر دعوى أهل الجنة ؛ فينبغي الجمع بينهما .

ونقل في " الروضة " عن إبراهيم المروزي : أن أبلغ ألفاظ الصلاة اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ، ثم قال : والصواب الذي ينبغي أن يجزم به ، أن أبلغها ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حيث قالوا : كيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد .

( ثم يقول ) المستملي ( للمحدث ) المملي ( من ؟ ) ذكرت أي من الشيوخ ، ( أو ما ذكرت ) أي من الأحاديث ، ( رحمك الله ، أو رضي عنك ، وما أشبهه ) .

قال يحيى بن أكثم : نلت القضاء ، أو قضاء القضاة، والوزارة ، وكذا وكذا ، ما سررت بشيء مثل قول المستملي ، من ذكرت رحمك الله .

( وكلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صلى ) المستملي ( عليه وسلم ) .

( قال الخطيب : ويرفع بها صوته وإذا ذكر صحابيا رضى عليه فإن كان ابن صحابي قال : رضي الله عنهما ) .

وكذا يترحم على الأئمة ، فقد روى الخطيب أن الربيع بن سليمان قال له القارئ يوما : حدثكم الشافعي ، ولم يقل رضي الله عنه ، فقال الربيع : ولا حرف حتى يقال : رضي الله عنه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث