الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الحادي والثلاثون الغريب والعزيز

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 633 ] النوع الحادي والثلاثين :

الغريب ، والعزيز : إذا انفرد عن الزهري وشبهه، ممن يجمع حديثه رجل بحديث سمي غريبا ؛ فإن انفرد اثنان أو ثلاثة سمي عزيزا ؛ فإن رواه جماعة سمي مشهورا ، ويدخل في الغريب ما انفرد راو بروايته أو بزيادة في متنه أو إسناده ، ولا يدخل فيه أفراد البلدان وينقسم إلى صحيح وغيره وهو الغالب ، وإلى غريب متنا وإسنادا كما لو انفرد بمتنه واحد ، وغريب إسنادا كحديث روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر ، وفيه يقول الترمذي : غريب من هذا الوجه ، ولا يوجد غريب متنا لا إسنادا إلا إذا اشتهر الفرد ؛ فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريبا مشهورا ، غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى أحد طرفيه كحديث " إنما الأعمال بالنيات " .

التالي السابق


( النوع الحادي والثلاثون : الغريب والعزيز : إذا انفرد عن الزهري وشبهه ممن يجمع حديثه ) من الأئمة كقتادة ( رجل بحديث سمي غريبا فإن انفرد ) عنهم ( اثنان أو ثلاثة سمي عزيزا فإن رواه ) عنهم ( جماعة سمي مشهورا ) ؛ كذا قال ابن الصلاح أخذا من كلام ابن منده .

وأما شيخ الإسلام وغيره ؛ فإنهم خصوا الثلاثة فما فوقها بالمشهور ، والاثنين بالعزيز ، لعزته أي قوته بمجيئه من طريق أخرى ، أو لقلة وجوده .

قال شيخ الإسلام : وقد ادعى ابن حبان أن رواية اثنين عن اثنين لا توجد أصلا ؛ فإن أراد رواية اثنين فقط فيسلم ، وأما صورة العزيز التي جوزها فموجودة ، بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين .

مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس والبخاري من حديث [ ص: 633 ] أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " الحديث .

ورواه عن أنس : قتادة ، وعبد العزيز بن صهيب ، ورواه عن قتادة : شعبة ، وسعيد ، ورواه عن عبد العزيز : إسماعيل ابن علية ، وعبد الوارث ، ورواه عن كل جماعة .

( ويدخل في الغريب ما انفرد راو بروايته ) ؛ فلم يروه غيره كما تقدم مثاله في قسم الأفراد ، ( أو بزيادة في متنه أو إسناده ) لم يذكرها غيره .

مثالهما : حديث رواه الطبراني في الكبير من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، ومن رواية عباد بن منصور ، فرقهما ، كلاهما عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة بحديث أم زرع ففيه غرابة المتن حيث جعلاه عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة .

والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن أخيه عبد الله بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، هكذا أخرجه الشيخان .

وكذا رواه مسلم أيضا من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام ، عن هشام .

( ولا يدخل فيه أفراد البلدان ) التي تقدمت في نوع الأفراد .

( وينقسم ) أي الغريب ( إلى صحيح ) كأفراد الصحيح ، ( و ) إلى ( غيره ) [ ص: 634 ] أي غير الصحيح ( وهو الغالب ) على الغرائب .

قال أحمد بن حنبل : لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير ، وعامتها عن الضعفاء .

وقال مالك : شر العلم الغريب ، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس .

وقال عبد الرزاق : كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر .

وقال ابن المبارك : العلم الذي يجيئك من هاهنا وهاهنا : يعني المشهور ، رواها البيهقي في " المدخل " .

وروي عن الزهري قال : حدثت علي بن الحسن بحديث ، فلما فرغت قال : أحسنت ، بارك الله فيك ، هكذا حدثنا ، قلت : ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني ، قال : لا تقل ذلك ؛ فليس من العلم ما لا يعرف ؛ إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن .

وروى ابن عدي عن أبي يوسف قال : من طلب الدين بالكلام تزندق ، ومن طلب غريب الحديث كذب ، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس .

( و ) ينقسم أيضا ( إلى غريب متنا وإسنادا كما لو انفرد بمتنه ) راو ( واحد ، و ) إلى ( غريب إسنادا ) لا متنا ، ( كحديث ) معروف ( روى متنه جماعة من الصحابة [ ص: 635 ] انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر ، وفيه يقول الترمذي : غريب من هذا الوجه ) .

ومن أمثلته كما قال ابن سيد الناس : حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأعمال بالنية " .

قال الخليلي في الإرشاد : أخطأ فيه عبد المجيد وهو غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه ؛ قال : فهذا مما أخطأ فيه الثقة .

قال ابن سيد الناس : هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح .

( ولا يوجد ) حديث ( غريب متنا ) فقط ( لا إسنادا إلا إذا اشتهر الفرد فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريبا مشهورا ؛ غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى أحد طرفيه ) المشتهر ، وهو الأخير .

( كحديث : " إنما الأعمال بالنيات " ) كما تقدم تحقيقه ، وكسائر الغرائب المشتملة عليها التصانيف المشتهرة .

قال العراقي : وقد أطلق ابن سيد الناس ثبوت هذا القسم من غير تخصيص [ ص: 636 ] له بما ذكر ، ولم يمثله ، فيحتمل أن يريد ما كان إسناده مشهورا جادة لعدة من الأحاديث ، بأن يكونوا مشهورين برواية بعضهم عن بعض ، ويكون المتن غريبا لانفرادهم به .

قال : وقد وقع في كلامه ما يقتضي تمثيله ، وذلك أنه لما حكى قول ابن طاهر : والخامس من الغرائب أسانيد ومتون ، تفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم ، وسنن ينفرد بالعمل بها أهل مصر ، لا يعمل بها في غير مصرهم .

قال : وهذا النوع يشمل الغريب كله سندا ومتنا ، أو أحدهما دون الآخر .

قال : وقد ذكر ابن أبي حاتم بسند له أن رجلا سأل مالكا عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ؛ فقال له : إن شئت خلل ، وإن شئت لا تخلل ، وكان عبد الله بن وهب حاضرا ، فعجب من جواب مالك ، وذكر له في ذلك حديثا بسند مصري صحيح ، وزعم أنه معروف عندهم ، فاستعاد مالك الحديث ، واستعاد السائل ، فأمره بالتخليل ، انتهى .

قال : والحديث المذكور رواه أبو داود من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو المعافري ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن المستورد بن شداد .

[ ص: 637 ] قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة .

ولم ينفرد به ابن لهيعة بل تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث .

كما رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، عن عمه عبد الله بن وهب ، عن الثلاثة المذكورين .

وصححه ابن القطان لتوثيقه لابن أخي ابن وهب .

فزالت الغرابة عن الإسناد بمتابعة الليث وعمرو لابن لهيعة ، والمتن غريب .

فائدة

قد يكون الحديث أيضا عزيزا مشهورا ، قال الحافظ العلائي فيما رأيته بخطه : حديث " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " الحديث ، عزيز عن النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه عنه حذيفة بن اليمان ، وأبو هريرة ، وهو مشهور عند أبي هريرة ، رواه عنه سبعة : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو حازم ، وطاوس ، والأعرج ، وهمام ، وأبو صالح ، وعبد الرحمن مولى أم برثن .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث