الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 169 ] الثاني‏ : المناولة المجردة عن الإجازة :

بأن يناوله الكتاب كما تقدم ذكره أولا ، ويقتصر على قوله : " ‏هذا من حديثي ، أو‏ من سماعاتي‏ " ولا يقول : " ‏اروه عني ، أو‏ أجزت لك روايته عني‏ " ونحو ذلك‏ . ‏

فهذه مناولة مختلة ، لا تجوز الرواية بها ، وعابها غير واحد من الفقهاء ، والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها‏ . ‏

وحكى ‏الخطيب‏ عن طائفة من أهل العلم‏ أنهم صححوها ، وأجازوا الرواية بها ، وسنذكر - إن شاء الله سبحانه ، وتعالى - قول من أجاز الرواية بمجرد إعلام الشيخ الطالب‏ أن هذا الكتاب سماعه من فلان ، وهذا يزيد على ذلك ويترجح بما فيه من المناولة ، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

القول في عبارة الراوي بطريق المناولة والإجازة‏ :

حكي عن قوم من المتقدمين ومن بعدهم‏ : أنهم جوزوا إطلاق " ‏حدثنا ، وأخبرنا " في الرواية بالمناولة ، حكي ذلك عن الزهري ، ومالك ، وغيرهما ، وهو لائق بمذهب جميع من سبقت الحكاية عنهم‏ : أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعا‏ . ‏

[ ص: 170 ] وحكي أيضا عن قوم مثل ذلك في الرواية بالإجازة‏ . ‏

وكان الحافظ أبو نعيم الأصبهاني‏ - صاحب التصانيف الكثيرة في علم الحديث - يطلق ( ‏أخبرنا ) فيما يرويه بالإجازة‏ . ‏ روينا عنه أنه قال‏ : أنا إذا قلت : ( ‏حدثنا ) فهو سماعي ، وإذا قلت : ( ‏أخبرنا ) على الإطلاق فهو إجازة من غير أن أذكر فيه ( ‏إجازة ، أو كتابة ، أو كتب إلي ، أو أذن لي في الرواية عنه‏ ) ‏‏ . ‏

وكان ‏أبو عبيد الله المرزباني الأخباري‏ - صاحب التصانيف في علم الخبر - يروي أكثر ما في كتبه إجازة من غير سماع ، ويقول في الإجازة : ( ‏أخبرنا ) ، ولا يبينها ، وكان ذلك - فيما حكاه الخطيب - مما عيب به‏ . ‏

والصحيح - والمختار الذي عليه عمل الجمهور ، وإياه اختار أهل التحري ، والورع - المنع في ذلك من إطلاق ( ‏حدثنا ، وأخبرنا ) ، ونحوهما من العبارات ، وتخصيص ذلك بعبارة تشعر به ، بأن يقيد هذه العبارات فيقول‏ : ( ‏أخبرنا ، أو‏ حدثنا فلان مناولة وإجازة ، أو‏‏ أخبرنا إجازة ، أو‏ أخبرنا مناولة ، أو‏ أخبرنا إذنا ، أو‏ في إذنه ، أو‏ فيما أذن لي فيه ، أو‏ فيما أطلق لي روايته عنه‏ ) ‏‏ ، أو يقول‏ : ( ‏أجاز لي فلان ، أو‏ أجازني فلان كذا وكذا ، أو‏ ناولني فلان ) ، وما أشبه ذلك من العبارات‏ . ‏

وخصص قوم الإجازة بعبارات لم يسلموا فيها من التدليس ، أو [ ص: 171 ] طرف منه ، كعبارة من يقول في الإجازة ( ‏أخبرنا مشافهة‏ ) إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظا ، كعبارة من يقول : ( ‏أخبرنا فلان كتابة ، أو‏ فيما كتب إلي ، أو‏ في كتابه‏ ) إذا كان قد أجازه بخطه‏ . ‏ فهذا - وإن تعارفه في ذلك طائفة من المحدثين المتأخرين - فلا يخلو عن طرف من التدليس ، لما فيه من الاشتراك ، والاشتباه بما إذا كتب إليه ذلك الحديث بعينه‏ . ‏

وورد عن ‏الأوزاعي أنه خصص الإجازة بقوله : " ‏خبرنا‏ " بالتشديد ، والقراءة عليه بقوله " ‏أخبرنا " ‏‏ . ‏

واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق ( ‏أنبأنا‏ ) في الإجازة ، وهو الوليد بن بكر صاحب ( ‏الوجازة في الإجازة‏ ) ‏‏ . ‏ وقد كان ( ‏أنبأنا‏ ) عند القوم - فيما تقدم - بمنزلة ( أخبرنا ) ، وإلى هذا نحا ‏الحافظ المتقن أبو بكر البيهقي‏ إذ كان يقول : " ‏أنبأني فلان إجازة‏ " ، وفيه أيضا رعاية لاصطلاح المتأخرين ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

وروينا عن الحاكم ‏أبي عبد الله الحافظ‏ رحمه الله أنه قال‏ : " الذي أختاره ، وعهدت عليه أكثر مشايخي ، وأئمة عصري‏ أن يقول فيما عرض على المحدث ، فأجاز له روايته شفاها : " ‏أنبأني فلان " ، وفيما كتب إليه المحدث من مدينة ، ولم يشافهه بالإجازة : " ‏كتب إلي فلان " ‏‏ . ‏

قال : " وروينا عن ‏أبي عمرو بن أبي جعفر بن حمدان [ ص: 172 ] النيسابوري ) قال‏ : سمعت أبي يقول‏ : كل ما قال البخاري " ‏قال لي فلان " فهو عرض ، ومناولة‏ . ‏

قلت‏ : وورد عن قوم من الرواة التعبير عن الإجازة بقول : " ‏أخبرنا فلان أن فلانا حدثه ، أو‏ أخبره‏ " ‏‏ . ‏ وبلغنا ذلك عن الإمام أبي سليمان الخطابي‏ أنه اختاره ، أو حكاه ، وهذا اصطلاح بعيد عن الإشعار بالإجازة ، وهو فيما إذا سمع منه الإسناد ، فحسب ، وأجاز له ما رواه قريب ، فإن كلمة ( ‏أن‏ ) في قوله : " أخبرني فلان أن فلانا أخبره‏ " ، فيها إشعار بوجود أصل الإخبار وإن أجمل المخبر به ، ولم يذكره تفصيلا‏ . ‏

قلت‏ : وكثيرا ما يعبر الرواة المتأخرون عن الإجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ المسمع بكلمة ( ‏عن‏ ) ، فيقول أحدهم إذا سمع على شيخ بإجازته عن شيخه : ( ‏قرأت على فلان ، عن فلان ) ، وذلك قريب فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخه ، إن لم يكن سماعا فإنه شاك ، وحرف ( ‏عن‏ ) مشترك بين السماع ، والإجازة صادق عليهما ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

ثم اعلم‏ أن المنع من إطلاق ( ‏حدثنا ، وأخبرنا ) في الإجازة لا يزول بإباحة المجيز لذلك ، كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم في إجازتهم لمن يجيزون له ، إن شاء قال : ( ‏حدثنا ) ، وإن شاء [ ص: 173 ] قال : ( ‏أخبرنا ) فليعلم ذلك ، والعلم عند الله تبارك ، وتعالى . ‏

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث