الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة من أدرك ركعة من الصبح بغلس

جزء التالي صفحة
السابق

5 [ ص: 219 ] حديث رابع

5 - مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، وعن بسر بن سعيد ، وعن الأعرج . كلهم يحدثونه عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أدرك ركعة من الصبح ، قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " .

التالي السابق


274 - وفي " التمهيد " ذكر وفاة عطاء بن يسار ، وبسر ، [ ص: 220 ] والأعرج ، وسن كل واحد منهم وحاله .

275 - وفي كتاب الصحابة ذكر أبي هريرة .

276 - وروى عن حفص ، عن ميسرة هذا الحديث ، عن زيد بن أسلم ، عن الأعرج ، وبسر بن سعيد ، وأبي صالح ، عن أبي هريرة ، فجعل مكان عطاء أبا صالح .

[ ص: 221 ] 277 - ورواه أبو غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، ولم يذكر عطاء غيره .

278 - ورواه إسماعيل بن عياش ، عن زيد بن أسلم ، عن الأعرج وحده ، عن أبي هريرة .

279 - وجوده مالك - رحمه الله - وكان حافظا متقنا ، وهو إسناد مجمع على صحته ، وكلهم رواه عن أبي هريرة .

280 - والإدراك في هذا الحديث إدراك الوقت ، لا أن ركعة من الصلاة من أدركها ذلك الوقت أجزته من تمام صلاته .

281 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من قال في هذا الحديث : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ، ثم صلى تمام صلاته بعد غروبها فقد أدرك ، ومن صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس وصلى ما بقي بعد طلوعها فقد أدرك أيضا .

282 - وهذا إجماع من المسلمين لا يختلفون أن معنى هذا الحديث ما وصفناه .

283 - وفي هذا أن حديث مالك ليس على ظاهره ، فإن معناه : فقد أدرك إن أتم ما بقي عليه بعد طلوع الشمس وغروبها .

284 - وهذا الحديث أيضا ورد بلفظ الإباحة في صلاة الصبح وصلاة العصر في ذينك الوقتين ، وليس هو أيضا على ظاهره في ذلك المعنى ، بدليل ما ذكرنا من صلاته - عليه السلام - فيما مضى من كتابنا هذا أنها كانت في العصر [ ص: 222 ] والشمس بيضاء نقية ، وعند القامتين ، ونحو ذلك ، على حديث إمامة جبريل في المثلين من ظل كل قائم على ما أوضحناه فيما سلف من هذا الكتاب .

285 - وكذلك الصلاة في الصبح لم تكن كلها إلا قبل طلوع الشمس أبدا ، فدل ذلك كله مع حديث مالك ، عن العلاء ، عن أنس ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال في الذي يؤخر صلاة العصر حتى تصفر الشمس وتكون بين قرني الشيطان : " أنها صلاة المنافقين " .

286 - على أن هذا الحديث ليس معناه الإباحة ، وأنه خرج على أصحاب الضرورات كالمغمى عليه يفيق ، والحائض تطهر ، والكافر يسلم في ذلك الوقت ، أنه مدرك للوقت .

287 - وقد أجمع المسلمون على أن من كان له عذر في ترك الصلاة إلى ذلك الوقت ، ثم قدر على أدائها كلها فيه لزمته ، فكذلك يلزمه إذا أدرك منها ركعة ، بدليل هذه السنة الواردة في ذلك ; لأنه - عليه السلام - جعل مدرك ركعة منها في ذلك الوقت مدركا لوقتها ، كما جعل مدرك الركعة من الصلاة مدركا لحكمها وفضلها ، وسيأتي هذا المعنى في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

288 - وقد تقدم ما للعلماء من الاختلاف في وقت العصر ، ووقت الصبح ، فلا وجه لإعادته ، وجرى فيه قول من جهل هذا الحديث على عمومه في ذي ضرورة [ ص: 223 ] ( وغيره ) . ومن اقتصر على أصحاب العذر والضرورة ، فمن كان عنده على الضرورات فمن الضرورات في ذلك : السفر .

289 - وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث :

290 - فذهب مالك وأصحابه إلى ظاهره ، فقالوا : من خرج مسافرا وقد بقي عليه من النهار مقدار ركعة بعد أن جاز بيوت القرية أو المصر ولم يكن صلاها صلى العصر ركعتين ، ولو خرج وقد بقي عليه مقدار ثلاث ركعات ولم يكن صلى الظهر والعصر صلاهما جميعا مقصورتين ، وهكذا عندهم حكم المغرب والعشاء يراعى فيهما مقدار ركعة من كل واحدة منهما على أصله ، فمن سافر وقد بقي عليه مقدار ركعة فإنه يقصر تلك الصلاة ، ولو قدم من سفره في ذلك الوقت أتم .

291 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي ، والثوري : إذا خرج من مصره قبل خروج الوقت صلى ركعتين ، وإن قدم قبل خروج الوقت أتم ، وهذا نحو قول مالك إلا أنهم لم يحدوا الركعة .

292 - وقال زفر : إن جاوز بيوت القرية أو المصر ولم يبق عليه من الوقت إلا مقدار ركعة فإنه مفرط ، وعليه أن يصلي العصر أربعا ، وإن قدم من سفره فدخل مصره ولم يبق عليه إلا ركعة واحدة أتم الصلاة أيضا ، أخذا له في ذلك بالثقة .

293 - وقال الحسن بن حي ، والليث بن سعد ، والشافعي : إذا خرج بعد دخول الوقت أتم ; لأن الصلاة تجب عندهم بأول الوقت ، وليست السعة في الوقت بمسقطة عنه ما وجب عليه في أوله .

[ ص: 224 ] 294 - قالوا : وإن قدم المسافر قبل خروج الوقت أتم ، أخذوا في ذلك بالثقة والاحتياط ، لزوال علية السفر .

295 - وأصل الشافعي في القصر أنه رخصة وسنة ، فمن شاء أتم في السفر عنده ومن شاء قصر ما دام مسافرا .

296 - وسيأتي بيان ذلك وما للعلماء من التنازع فيه ووجوه أقوالهم في باب قصر الصلاة ، إن شاء الله .

297 - وروى ابن وهب ، عن الليث بن سعد في الرجل تزول عليه الشمس وهو يريد سفرا فلم يصل حتى خرج قال : يصلي صلاة المقيم ; لأن الوقت دخل عليه قبل الخروج ، ولو شاء أن يصلي صلى .

298 - وأما اختلاف الفقهاء في صلاة الحائض والمغمى عليه ومن جرى مجراهما :

299 - فقال مالك في المغمى عليه : من أغمي عليه في وقت صلاة فلم يفق حتى ذهب وقتها ، ظهرا كانت أو عصرا .

300 - قال : والظهر والعصر وقتهما إلى مغيب الشمس - فلا إعادة عليه .

301 - قال : وكذلك المغرب والعشاء وقتهما الليل كله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث