الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1226 1180 - مالك ; أنه بلغه عن القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار ، وابن شهاب ، أنهم كانوا يقولون : إذا دخلت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد بانت من [ ص: 32 ] زوجها ، ولا ميراث بينهما ، ولا رجعة له عليها .

1181 - مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أنه كان يقول : إذا طلق الرجل امرأته ، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه وبرئ منها .

قال مالك : وهو الأمر عندنا .

1182 - مالك ، عن الفضيل بن أبي عبد الله ، مولى المهري ; أن القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، كانا يقولان : إذا طلقت المرأة فدخلت في الدم ، من الحيضة الثالثة ، فقد بانت منه وحلت .

التالي السابق


26688 - قال أبو عمر : يعني للأزواج .

26689 - وهذا كله قول من قال : الأقراء : الأطهار ; لأنه إذا طلقها في طهر لم يمسها فيه ، فهي تعتد به قرءا ، سواء طلقها في أوله ، أو في آخره ; لأن خروجها من ذلك الطهر ، ودخولها في دم الحيض بعده قرء ، ثم إذا طهرت منه ، ودخلت في الحيضة الثانية كان قرءا ثابتا ، فإذا طهرت من الحيضة الثانية ، وانقضى طهرها ، ودخلت في الحيضة الثالثة ، فقد كمل لها ثلاثة قروء ، وانقضت عدتها ، وبانت من زوجها ، وحلت للأزواج .

26690 - وهذا كله قول مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، وأبي ثور ، وداود .

[ ص: 33 ] 26691 - وتقدمهم إلى القول ، من الصحابة : ابن عمر ، وزيد بن ثابت وعائشة .

26692 - إلا أنه قد روي عن ابن عمر ، وزيد أنهما قالا : عدة الأمة حيضتان ، وعدة الحرة ثلاث حيض .

26693 - وزعم العراقيون أن قولهما مخالف لما روي عنهما ، وليس عند أهل المدينة كذلك .

26694 - ومن التابعين : القاسم ، وسالم ، وسليمان بن يسار ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وأبان بن عثمان ، وابن شهاب ، وكلهم يقول : إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد انقضت عدتها ، وحلت للأزواج .

26695 - ولا أعلم أحدا ممن قال : الأقراء الأطهار ، يقول غير هذا إلا ابن شهاب الزهري ، فإنه قال : تلغي الطهر الذي طلقت فيه ، ثم تعتد بعده بثلاثة أطهار ; لأن الله تعالى يقول : 4 ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ]

26696 - واختلف في الآخر قول أحمد بن حنبل ، فقال مرة : والأقراء الحيض ، وقال : الأطهار ، وقال الأسانيد عمن روي عنه أن الأقراء الأطهار أصح .

26697 - وروي عنه أيضا أنه رجع إلى قول عمر وعلي ، في أنها الحيض .

26698 - وروي عنه أنه وقف فيها .

26699 - وحكى الأثرم عنه أنه قال : الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : الأقراء : الحيض .

[ ص: 34 ] 26700 - وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وأصحابه ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد : الأقراء : الحيض .

26701 - وهو قول عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري .

26702 - وروى وكيع بن الجراح ، قال : حدثني عيسى بن أبي عيسى ، عن الشعبي ، قال أحد عشر ، أو اثنا عشر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، قالوا : إذا طلق الرجل امرأة تطليقة أو تطليقتين ، فله عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .

26703 - وروى هذا الخبر خالد بن إسماعيل ، عن عيسى بن أبي عيسى ، عن الشعبي ، فقال فيه : أحد عشر وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، ومعاذ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى ، وأنس بن مالك .

26704 - قال أبو عمر : روى مثل ذلك من التابعين غير سعيد بن المسيب : مكحول ، وربيعة ، وعطاء ، وطاوس ، والشعبي ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم ، وجمع .

[ ص: 35 ] 26705 - وقال الأوزاعي ، وجماعة من أهل العلم على أن الأقراء : الحيض .

26706 - واختلف هؤلاء - مع إجماعهم على أن الأقراء الحيض - في وقت انقضاء عدة المعتدة بالحيض :

26707 - فقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا تنقضي العدة إذا كان أيامها دون العشر حتى تغتسل من الحيضة الثالثة ، أو يذهب وقت صلاة .

26708 - وهذا قول الحسن البصري ، وحميد الطويل .

26709 - وبه قال الحسن بن حي ، إلا أنه قال : النصرانية واليهودية في ذلك مثل المسلمة .

26710 - قال الطحاوي : وهذا لم يقله أحد ممن جعل الأقراء : الحيض ، غير الحسن بن حي .

26711 - وقال الثوري ، وزفر : هو أحق بها ، وإن انقطع الدم ، ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .

26712 - وهو قول عمر ، وعلي ، وعبد الله .

26713 - وبه قال إسحاق ، وأبو عبيد .

26714 - وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ، وعثمان بن عفان . وليس [ ص: 36 ] بالقوي عنهما .

26715 - وروي مثل ذلك عن أبي موسى ، وعبادة ، وأبي الدرداء ، ومعاذ بن جبل .

26716 - وهو الأشهر عن ابن عباس .

16713 - وقال ابن شبرمة : إذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة ، فقد بانت ، وبطلت الرجعة ، ولم يعتبر الغسل .

26718 - وهو قول طاوس ، وسعيد بن جبير ، والأوزاعي .

26719 - وروي عن شريك قول شاذ : أنها لو فرطت في الغسل عشر سنين ، لكان زوجها أحق برجعتها ما لم تغتسل .

26720 - وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال : إذا طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة ، بانت ، وانقطعت الرجعة للزوج ، إلا أنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها .

26721 - وروي نحوه عن ابن عباس .

26722 - وهو قول ضعيف بدليل قول الله - عز وجل - : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن [ ص: 37 ] [ البقرة : 234 ] ، وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ، ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك .

26723 - والحديث عن ابن عباس بذلك حدثناه عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني محمد بن شاذان ، قال : حدثني معلى ، قال : أخبرنا عبد العزيز بن محمد : أن ثور بن زيد الديلي أخبره عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : إذا حاضت المطلقة الحيضة الثالثة ، فقد بانت من زوجها ، إلا أنها لا تتزوج حتى تطهر .

26724 - وهذا - لو صح - احتمل أن يكون منه على وجه الاستحسان .

26725 - وزعم الكوفيون أن ابن عمر ، وزيد بن ثابت قالا : الأقراء الحيض ; لأنهما روي عنهما : عدة الحرة ثلاث حيض ، وعدة الأمة حيضتان ، وعدة أم الولد من وفاة سيدها حيضة .

26726 - وروي ذلك من حديث مالك ، وغيره عن نافع ، عن ابن عمر .

26727 - ومن حديث ابن شهاب ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن زيد بن ثابت ، قال : عدة الأمة حيضتان ، وعدة الحرة ثلاث حيض .

26728 - وهذا ليس بشيء ; لأن مذهبهما الذي قدمنا صحيح معروف عنهما أن المطلقة إذا طعنت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه ، وبرئ منها ، ولا ترثه ولا يرثها .

[ ص: 38 ] 26729 - وقولهما هذا في عدة الأمة ، والحرة تقريب على السائل في العبارة ; لأن الطهر لا يعرف بتقدم الحيض قبله ، والله أعلم .

26730 - واحتجوا في أن الأقراء الحيض ; لأن المخالف لهم يقول : عدة أم الولد حيضة ، لا بد أن تأتي بها .

26731 - واحتجوا أن الله تعالى يقول : ثلاثة قروء ، فلا بد أن تكون كاملة ، والمطلقة في طهر ، قد مضى لم تأت بثلاثة قروء إذا انقضت عدتها بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة .

26732 - واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة " دعي الصلاة أيام أقرائك " .

26733 وقوله عليه السلام - لفاطمة " وصلي ما بين القرء إلى القرء " ، وبأشياء يطول ذكرها .

26734 - وأما قولهم في أم الولد بأنها لا تنكح عندنا حتى تطهر من حيضتها ، وأن ذلك دليل على أن القرء الحيضة .

26735 - فقد أجاز إسماعيل ، وغيره من أصحابنا لأم الولد أن تتزوج إذا دخلت في الحيضة ; لأن ظهور الدم براءة للرحم في الأغلب .

26736 - وأما قولهم : إن الله تعالى قال : ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] ومن طلق فقد مضى من الطهر بعضه ، فلم يكمل لها ثلاثة قروء بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ، بل هي قرآن ، وبعض الثالث .

[ ص: 39 ] 26737 - فالجواب أن المبتغى من الأقراء براءة الرحم ، وهو خروج المرأة من الطهر إلى الدم ، فذلك الوقت هو المبتغى ، وهو المراعى ، وقد حصل منه ثلاثة أوقات كاملة لدخولها من الدم في الحيضة الثالثة .

26738 - وأما احتجاجهم بقوله - عليه السلام - للمستحاضة : " دعي الصلاة أيام أقرائك " .

فإنه أراد القرء الذي هو الحيض ، وتترك له الصلاة ، ولم يرد القرء الذي تعتد به المطلقة وهو الطهر ; بدليل حديث ابن عمر المتكرر .

26739 - وقد أوضحنا أن الحيض يسمى قرءا ، كما أن الطهر يسمى قرءا ، إلا أن القرء الذي هو الدم ليس هو المراد من قول الله تعالى : ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] بل المراد من ذلك الأطهار ، والله أعلم ; بدليل الإجماع على أن الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، ولا حيض ، فتبتدئ عدتها من ساعة طلاقه لها .

26740 - وهو معنى قوله تعالى ( فطلقوهن لقبل عدتهن ) أي لاستقبال عدتهن .

26741 - وأجمعوا في كل امرأة علمت بطلاق زوجها لها في حين طلقها أن السنة أن تبتدئ عدتها من ساعة وقوع طلاقها .

26742 - وذلك دليل على أن الأقراء الأطهار ; لأن السنة المجتمع عليها أن يطلقها في طهر لم يمس فيه لتعتد من ساعتها .

[ ص: 40 ] 26743 - ومن قال : إن الأقراء : الحيض ، يقول : إنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها ، ولا تعتد إلا بحيضة تستأنفها بعد طهرها من تلك الحيضة ، فيلزمهم أن يقولوا : إنها قبل الحيضة الثانية في غير عدة .

26744 - وحسبك بهذا خلافا من القول ، وخلافا لظاهر قول الله - عز وجل - : فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق : 1 ] ، ولقول النبي - عليه السلام - : " فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " .

26745 - هذا كله معنى قول الشافعي .

26746 - وهو مذهب مالك ، وأصحابه .

26747 - وللكوفيين حجج ، ومعارضات ذكروها في كتبهم منها :

26748 - قال الله - عز وجل - : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [ الطلاق : 4 ] فجعل الأشهر لمن يئس من المحيض ، فدل على أنه هو العدة حتى يئسن منه ، فتعتد بالشهور .

26749 - وقالوا : والطهر جائز أن تطلق فيه إلى آخره ، فلا يحصل لها قرآن ، والله تعالى يقول : ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] .

26750 - وإذا ذكر عدة الشهور والأيام لم يجز بعض ذلك العدد كقوله [ ص: 41 ] تعالى : أربعة أشهر وعشرا [ البقرة : 234 ] ، وصيام الثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجعتم ، وليس كذلك ، فالحج أشهر معلومات ; لأنه لم يذكر عددا ، أو بأشياء فيها تشعيب لم أر لذكرها وجها ، وبالله التوفيق .

26751 - وأما ما ذكره في هذا الباب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث