الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1207 - مالك ; أنه بلغه أن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار سئلا عن طلاق السكران ؟ فقالا : إذا طلق السكران جاز طلاقه ، وإن قتل قتل به . قال مالك : وعلى ذلك ، الأمر عندنا .

التالي السابق


27334 - قال أبو عمر : اختلف أهل المدينة ، وغيرهم في طلاق السكران :

27335 - فأجازه عليه ، وألزمه إياه جماعة من العلماء منهم : سعيد بن [ ص: 161 ] المسيب ، وسليمان بن يسار ، ومجاهد ، وإبراهيم ، والحسن ، وابن سيرين ، وميمون بن مهران ، وحميد بن عبد الرحمن الحميدي ، وشريح القاضي ، والشعبي ، والزهري ، والحكم بن عيينة .

27336 - وأما بلاغ مالك ، عن سعيد بن المسيب ، فرواه عنه قتادة ، وعبد الرحمن بن حرملة .

27337 - ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثني حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، قال : طلق جار لي سكران ، فأمرني أن أسال سعيد بن المسيب ، فسألته ، فقال : يفرق بينه وبين امرأته ، ويجلد ثمانين جلدة .

27338 - قال : وحدثني عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، قال : إذا طلق السكران ، أو أعتق جاز عليه العتق ، وأقيم عليه الحد .

27339 - إلى هذا ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، الثوري ، والأوزاعي ، وأبو عبيد .

27340 - وعن الشافعي في ذلك روايتان :

( إحداهما ) : مثل قول مالك في أن طلاقه لازم في حال سكره ، وهو الأشهر عنه .

[ ص: 162 ] ( والثانية ) : أنه لا يلزم السكران طلاقه في حال سكره .

27341 - واختاره المزني ، وذهب إليه ، وخالفه أكثر أصحاب الشافعي ، فألزموه طلاقه .

27342 - وكان عمر بن عبد العزيز أجاز طلاق السكران ثم رجع عنه .

27343 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : طلاق السكران ، وعقوده ، وأفعاله ، جائزة عليه كأفعال الصاحي ، إلا الردة ، فإنه إن ارتد لا تبين منه امرأته استحسانا .

27344 - وقد روي عن أبي يوسف أنه يكون مرتدا في سكره .

27345 - وقال محمد بن الحسن : إن قذف السكران حد ، وإن قتل قتل ، وإن زنى أو سرق أقيم عليه الحد ، ولا يجوز إقراره في الحدود .

27346 - وقال الشافعي : إن ارتد سكران فمات كان ماله فيئا ، ولا نقتله في سكره ، ولا نستتيبه فيه .

27347 - وقال الثوري ، والحسن بن حي : طلاق السكران وعتقه جائز عليه .

27348 - قال أبو عمر : ألزمه مالك الطلاق ، والعتق ، والقود من الجراح ، والقتل ، ولم يلزمه النكاح ، والبيع .

27249 - وروي عن عمر بن الخطاب في طلاق السكران أنه أجازه عليه .

[ ص: 163 ] وإسناده فيه لين .

27350 - ذكره أبو بكر ، قال حدثني وكيع ، عن جرير بن حازم ، عن الزبير بن الخريت ، عن أبي لبيد : أن عمر بن الخطاب أجاز طلاق السكران بشهادة النسوة .

27351 - وأما عثمان بن عفان ، فالحديث عنه صحيح أنه كان لا يجيز طلاق السكران ، ولا يراه شيئا .

27352 - وقد زعم بعض أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان في ذلك من الصحابة ، وليس ذلك عندي كما زعم ; لما ذكرنا عن عمر ، ولما جاء عن علي ، وهو حديث صحيح عنه أيضا ، رواه الثوري ، وغيره ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عامر بن ربيعة قال : سمعت عليا - رضي الله عنه - يقول : كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه .

27353 - ومن قال : إن عثمان لا مخالف له من الصحابة في طلاق السكران ، تأول قول علي : أن السكران معتوه بالسكر ، كما أن الموسوس معتوه بالوسواس ، والمجنون معتوه بالجنون .

27354 - وحديث عثمان رواه وكيع ، وغيره ، عن ابن أبي ذئب ، عن [ ص: 164 ] الزهري ، عن أبان بن عثمان ، عن عثمان : أنه كان لا يجيز طلاق السكران ، والمجنون .

27355 - قال : وكان عمر بن عبد العزيز يجيز طلاقه ، ويوجع ظهره حتى حدثه أبان بن عثمان في ذلك عن أبيه .

27356 - وبه كان يفتي أبان .

27357 - وهو قول جابر بن زيد ، وعكرمة ، وعطاء ، وطاوس ، والقاسم بن محمد ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد ، والليث بن سعد ، وعبيد الله بن الحسن ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، والمزني ، وداود بن علي .

27358 - وإليه ذهب الطحاوي ، وخالف أصحابه في ذلك الكوفيين ، وقال : لا يختلفون فيمن شرب البنج ، فذهب عقله أن طلاقه غير جائز ، فكذلك من سكر من الشراب .

27359 - قال : ولا يختلف فقدان العقل بسبب من الله ، أو بسبب من جهته ، كما أنه لا يختلف حكم من عجز عن الصلاة بسبب من الله ، أو من فعل نفسه في [ ص: 165 ] باب سقوط فرض القيام عنه .

27360 - قال أبو عمر : ليس تشبيه فعل السكران بالعجز عن الصلاة بقياس صحيح ; لأنه ما من أحد يعجز به على نفسه في الصلاة آثم ، ولا تسقط عنه الصلاة ، وعليه أن يؤديها على حسب طاقته .

27361 - وأما أحمد بن حنبل ، فجبن عن القول في طلاق السكران ، وأبى أن يجيب فيه .

27362 - قال أبو عمر : أجمعوا على أنه يقام عليه حد السكران .

27363 - وقال عثمان البتي : السكران بمنزلة المجنون ، لا يجوز طلاقه ، ولا عتقه ، ولا بيعه ، ولا نكاحه ، ولا يحد في قذف ، ولا زنا ، ولا سرقة .

27364 - وقال الليث بن سعد : كل ما جاء من منطق السكران ، فهو مرفوع عنه ، ولا يلزمه طلاق ، ولا عتق ، ولا بيع ، ولا نكاح ، ولا يحد في القذف ، ويحد في الشرب ، وفي كل ما جنته يده ، وعملته جوارحه مثل القتل ، والزنا ، والسرقة .

27365 - قال أبو عمر : قول الليث حسن جدا ; لأن السكران يلتذ بأفعاله ، ويشفي غيظه ، وتقع أفعاله قصدا إلى ما قصده من لذة بزنا ، أو سرقة ، أو قتل ، وهو مع ذلك لا يعقل أكثر ما يقول بدليل قول الله عز وجل : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ ص: 166 ] [ النساء : 34 ] .

27366 - فإذا تبين على الشارب التخليط البين بالمنطق من القراءة ، وغيرها ، فقد تغير عقله ، وصح سكره ، وبالله التوفيق ، ولا شريك له .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث