الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة في لقائه كعب الأحبار وحديثه معه عن يوم الجمعة

243 [ ص: 87 ] 212 - وأما حديث مالك عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أنه قال : خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار وساق الحديث إلى آخره .

[ ص: 88 ]

التالي السابق


[ ص: 88 ] 5997 - ثم قال : بصرة بن أبي بصرة الغفاري .

[ ص: 89 ] 5998 - فلم يقل في هذا الحديث - فيما علمت - : " فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري في حديث مالك هذا ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة " - غيره ، وسائر الرواة إنما فيه عن أبي هريرة قال : لقيت أبا بصرة ، لا بصرة بن أبي بصرة .

5999 - وأظن الوهم جاء فيه من يزيد والله أعلم .

600 - وقد ذكرنا بصرة وأباه : أبا بصرة في كتاب الصحابة بما ينبغي ، والحمد لله .

6001 - وفي هذا الحديث من العلم وجوه : منها الخروج إلى المواضع التي يتبرك بشهودها والصلاة فيها لما بان من بركتها .

6002 - وليس في ذلك ما يعارض قوله : " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد " على مذهب أبي هريرة ، وإن كان بصرة بن أبي بصرة قد خالفه في ذلك ، فرأى قوله : " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد " قولا عاما فيها سواها . والله أعلم .

6003 - وكأن أبا هريرة لم ير النهي عن إعمال المطي فيما عدا الثلاثة المساجد إلا في الواجب من النذر ، وكأن عنده : إعمال المطي في سائر السنن [ ص: 90 ] والمباح كزيارة الأخ في الله وشبهه - غير داخل في النهي عن إعمال المطي .

6004 - وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم - فيمن نذر رباطا في ثغر يسده - فإنه يلزمه الوفاء به حيث كان الرباط لأنه طاعة لله تعالى .

6005 - فأما من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة ، فلا يفعل ، ويصلي في مسجده ، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة ، فإنه من نذر الصلاة فيها خرج إليها .

6006 - قال مالك : من نذر أن يصلي في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة فإنه يصلي في مسجد بلده ، إلا أن ينذر ذلك في مسجدمكة والمدينة وبيت المقدس ، فإن نذر في هذه المساجد الثلاثة الصلاة فعليه السير إليها .

6007 - وقد يجوز أن يكون خروج أبي هريرة إلى الطور لحاجة عنت هناك من أمور دنياه وما يعنيه منها ، فإن كان كذلك فليس خروجه من باب لا تعمل المطي في شيء .



6008 - وأما كعب الأحبار فهو كعب بن مانع الحميري من ذي رعين من حمير ، وقيل : من ذي هجر من حمير ، يكنى أبا إسحاق . أسلم في زمن عمر وتوفي في آخر خلافة عثمان ، وقد ذكرنا طرفا من خبره في " التمهيد " .

[ ص: 91 ] [ ص: 92 ] 6009 - وفي هذا الحديث أيضا إباحة الحديث عن التوراة لمن علمها علم ثقة ويقين .

6010 - وكان كعب عالما بها ; لأنه كان حبرا من أحبار يهود ، وإن كان عربي النسب ، فإن من العرب كثيرا تنصر وكثيرا تهود .

6011 - وقد أفردنا بابا كافيا في الحديث عن أهل الكتاب ، وكيف المعنى فيما جاء عنهم في كتاب جامع بيان العلم ، وفيه أن خير الأيام يوم الجمعة ، وفي ذلك فضل بعض الأيام على بعض ، ولا يعلم ذلك إلا بتوقيف وقد صح فضل يوم الجمعة ، ويوم عاشوراء ، ويوم عرفة ، وجاء في يوم الاثنين والخميس ما جاء .

6013 - وروى الأعمش ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن كعب الأحبار ، قال : الصدقة يوم الجمعة تضاعف ، وقد روى حصين ، عن هلال بن [ ص: 93 ] يساف ، عن كعب الأحبار في يوم الجمعة قال : تضاعف فيه الحسنة والسيئة ، وأنه يوم القيامة .

6014 - وفيه الخبر عن خلق آدم وهبوطه إلى الأرض ، وفي ذلك جواز الحديث عن أمور ابتداء الخلق ، وعمن كان قبلنا من الأنبياء ، وعن بني إسرائيل وغيرهم .

6015 - وأهل العلم يرون رواية ذلك عن كل أحد ; لأنه ليس في حكم ، ولا في دم ، ولا فرج ، ولا مال ، ولا حلال ، ولا حرام .

6016 - وقد أوضحنا هذا المعنى في صدر كتاب " التمهيد " .

6017 - وفيه أن آدم تيب عليه يوم الجمعة ، وإن كان في القرآن المحكم أنه " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ( سورة البقرة : الآية 37 ) ليس [ ص: 94 ] فيه أن ذلك كان يوم جمعة .

6018 - وفيه إباحة الحديث عن المستقبل من الأمور ، وإن كان من علم الغيب إذا كان ذلك عمن يوثق به في علمه ودينه ، وكان الخبر مما لا يرده أصل من أصول الشريعة ، لأن كل ما ترده أصول شريعتنا فباطل .

6019 - وليس في قوله : " إن الساعة تقوم يوم الجمعة " دليل على أن الخبر بذلك من علم الساعة الذي لا يعلمه إلا هو ; لأن يوم الجمعة متكرر مع أيام الدنيا فليس في ذكره ما يوجب متى هي .

6020 - وقد سأل عنها رسول الله - عليه السلام - جبريل - عليه السلام - فقال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل .

6021 - وقال تعالى : " قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو " ( سورة الأعراف الآية 187 ( 6022 - وقد ظهر كثير من أشراطها .

6023 - وقال تعالى : " لا تأتيكم إلا بغتة " ( الأعراف الآية ( 187 ) .

6024 - وقوله : " وما من دابة إلا وهي مصيخة ، فالإصاخة الاستماع ، وهو هاهنا سماع حذر وإشفاق ; خشية الفجأة والبغتة .

6025 - وأصل الكلمة : الاستماع .

6026 - قال أعرابي : وحديثها كالقطر يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا فأصاخ يرجو أن يكون حيا ويقول من فرح أيا ربا

[ ص: 95 ] 6027 - وقال أمية بن أبي الصلت :

وهم عند رب ينظرون قضاءه يصيخون بالأسماع للوحي ركد



6028 - وقال : كم من مصيخ إلى أوتار غانية ناحت عليه وقد كانت تغنيه

6029 - وقال غيره يصف ثورا بحريا : ويصيخ أحيانا كما اس تمع المضل لصوت ناشد

6030 - والمضل : الذي قد أضل دابته أو بعيره أو غلامه ، يقال منه : أضل سببه فهو مضل .

6031 - والناشد الطالب يقال منه : نشدت ضالتي أنشدها إذا طلبتها ، وناديت عليها .

6032 - وأما المنشد فهو المعرف بالضالة ، وقيل : هو الدال عليها والمعنى متقارب .

6033 - وفي الحديث دليل على أن الإنس والجن لا يعرفون من أمر الساعة ما تعرف الدواب ، وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا ، وهذا العلم وشبهه لم نؤت منه إلا قليلا [ ص: 96 ]

6034 - وأما قوله : " فيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه " فقد اختلف في تلك الساعة .

6035 - وقد قدمنا من ذلك ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى .

6036 - وقول عبد الله بن سلام فيها أثبت شيء إن شاء الله . وقد تابعه ابن عباس وغيره .

6037 - وفي سكوت أبي هريرة لعبد الله بن سلام عند ما ألزمه في ذلك وأدخل عليه في مناظرته إياه ، دليل على متابعة أبي هريرة له وتسليمه لقوله ، والله أعلم .

6038 - وقد روي بنحو قول عبد الله بن سلام أحاديث مرفوعة ، منها حديث موسى بن وردان ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " التمس الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس " .

6039 - ومنها حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الساعة التي يتحرى فيها الدعاة يوم الجمعة هي آخر ساعة من يوم الجمعة " .

6040 - وحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس " .

[ ص: 97 ] 6041 - وحديث جابر عن النبي - عليه السلام - : " التمسوها آخر ساعة بعد العصر " .

6042 - وحديث شعبة عن إبراهيم بن ميسرة قال : أخبرني من أرسله عمرو بن أوس إلى أبي هريرة يسأله عن الساعة التي في يوم الجمعة ، فقال : هي بعد العصر .

6043 - وشعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله .

6044 - وشعبة عن يونس بن خباب عن أبي هريرة مثله .

6045 - وجرير عن ليث عن مجاهد .

6046 - وطاوس عن أبي هريرة أنه قال : في الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، أو بعد الصبح حتى تطلع الشمس .

6047 - قال : وكان طاوس إذا صلى العصر لا يكلم أحدا ولا يلتفت ; مشغولا بالدعاء والذكر حتى تغيب الشمس .

6048 - وقد ذكرنا هذه الأحاديث بأسانيدها في " التمهيد " .

6049 - وذكرنا هناك عن عبد الله بن سلام ، وكعب هذه الساعة التي خلق الله فيها آدم ، وهي آخر ساعة من يوم الجمعة بالإسناد الحسن عنهما أيضا .

6050 - وعن طاوس : أن الساعة من يوم الجمعة التي تقوم فيها الساعة ، والتي أنزل فيها آدم ، والتي لا يدعو فيها المسلم بدعوة صالحة إلا استجيب له من حين تصفر الشمس إلى حين تغيب .

[ ص: 98 ] 6051 - وأما قوله : فقال كعب : هي في كل سنة مرة . فقلت : بل في كل جمعة ، ثم قرأ كعب التوراة فقال : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففيه دليل على أن العالم يخطئ ، وأنه ربما قال على أكثر ظنه فيخطئه ظنه .

6052 - وفيه أن من سمع الخطأ وهو يعلمه ينكره ويرد على من سمعه منه إذا كان عنده في رده أصل صحيح يركن إليه ، كما صنع أبو هريرة في إنكاره على كعب .

6053 - وفيه أن العالم إذا رد عليه قوله طلب التثبت فيه ، والوقوف على صحته ، حيث رجاه في مظانه ومواضعه حتى يصح له أو يصح قول مخالفه فينصرف إليه .

6054 - وفيه دليل على أن الواجب على كل من سمع الحق وعرفه الانصراف إليه .

6055 - وأما قوله عن أبي هريرة في هذا الحديث : فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري إلى آخر قصته معه فهكذا في " الموطأ " : بصرة بن أبي بصرة لم يختلف عن مالك في ذلك ، ولا عن يزيد بن الهادي فيما علمت .

6056 - وأما غير مالك وغير شيخه يزيد بن الهادي فإنهم يقولون في هذا الحديث : فلقيت أبا بصرة الغفاري .

6057 - وأبو بصرة اسمه جميل بن بصرة على اختلاف عنه قد ذكرته عند ذكري له في كتاب الصحابة .

6058 - وروى القعنبي عن الدراوردي ، عن زيد بن أسلم ، عن المقبري ، عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور يصلي فيه ثم أقبل ، فلقي جميل بن بصرة [ ص: 99 ] الغفاري ، فذكر الحديث على ما ذكرناه في " التمهيد " من طرق .

6059 - وفي قول عبد الله بن سلام : " كذب كعب " ، ثم قال : صدق كعب دليل على ما كان القوم عليه من إنكار ما يجب إنكاره ، والإذعان إلى الحق ، والرجوع إليه والاعتراف به .

6060 - ومعنى قوله : كذب كعب أي غلط كعب ، وكذلك هو معروف للعرب في أشعارها ومخاطباتها .

6061 - فمن ذلك قول أبي طالب : كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل

6062 - ألا ترى أن هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضد الصدق ؟ إنما هو من باب غلط الإنسان . فيما يظنه فكأنه قال : كذبكم ظنكم .

6063 - ومثل هذا قول زفر بن الحارث العبسي : كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ولما يكن يوم أغر محجل 6064 - وقال بعض شعراء همدان :

كذبتم وبيت الله لا تأخذونها     مراغمة ما دام للسيف قائم

6065 - ومن هذا ما رواه حماد بن زيد عن أيوب ، قال : سألت سعيد بن جبير عن الرجل يأذن لعبده في التزويج : بيد من الطلاق ؟ قال : بيد العبد . قال : إن جابر بن زيد يقول : بيد السيد . قال : كذب جابر .

6066 - ومن هذا قول عبادة : كذب أبو محمد .

[ ص: 100 ] 6067 - فمعنى قول عبد الله بن سلام : كذب كعب : أي أخطأ ظنه ، وقوله : صدق كعب : أي أصاب . 6068 - وفي قول عبد الله بن سلام : قد علمت أي ساعة هي - دليل على أن للعالم أن يقول : قد علمت كذا وأنا أعلم كذا ، إذا لم يكن على سبيل الفخر وما الفخر بالعلم إلا حديث بنعمة الله .

6069 - وفي قول أبي هريرة : أخبرني بها ، ولا تضن علي - أي لا تبخل علي - دليل على ما كان القوم عليه من الحرص على العلم والبحث عنه .

6070 - وفي مراجعة أبي هريرة لعبد الله بن سلام حين قال : هي آخر ساعة من يوم الجمعة ، واعتراضه عليه بأنها ساعة لا يصلى فيها لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يوافقها عبد مؤمن وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " دليل على إثبات المعارضة والمناظرة وطلب الحجة وموضع الصواب .

6071 - وفي إدخال عبد الله بن سلام عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة " وإذعان أبي هريرة إلى ذلك - دليل واضح على ما كان عليه القوم من البصر بالاحتجاجات ، والاعتراضات ، والإدخال ، والإلزامات في المناظرة ، وهذا سبيل أهل العلم .

6072 - وعن ابن عباس مثل قول عبد الله بن سلام في ذلك سواء .

6073 - وقد ذكرنا كل ذلك في " التمهيد " والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث