الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر طبع الله على قلبه

جزء التالي صفحة
السابق

248 217 - وأما حديثه في هذا الباب عن صفوان بن سليم قال مالك : لا أدري أعن النبي - عليه السلام - أم لا أنه قال : " من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر طبع الله على قلبه " .

التالي السابق


6140 - فإن هذا الحديث مروي عن النبي - عليه السلام - من وجوه .

6141 - منها حديث أبي الجعد الضمري ، وكانت له صحبة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك الجمعة ثلاث مرات " . ومنهم من يقول فيه : ثلاث جمع . " تهاونا طبع الله على قلبه " .

6142 - وهو حديث مدني رواه محمد بن عمر بن علقمة ، عن عبيدة بن سفيان ، عن أبي الجعد الضمري ، عن النبي ، عليه السلام .

[ ص: 116 ] 6143 - وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمر ، وعن أبي سلمة ، عن أبي هريرة عن النبي والأول عندي أولى بالصواب .

6144 - وقد ذكرناه بالأسانيد في " التمهيد " .

6145 - وحديث أبي قتادة أيضا مدني عن النبي - عليه السلام - في معناه رواه الدراوردي ، وسليمان بن بلال ، عن أسيد بن أبي أسيد البراد ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ترك الجمعة ثلاثا - من غير عذر - طبع الله على قلبه " .

6146 - قال أبو عمر : يرويه غير سليمان والدراوردي ، عن أسيد بن أبي أسيد ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن جابر ، ورواية سليمان والدراوردي أولى بالصواب إن شاء الله .

6147 وفيه : " من غير ضرورة " .

6148 - وقد ذكرنا في " التمهيد " معنى الضرورة ، وما هي ، وما الذي يتخلف له الصحيح عن الجمعة ، وأتينا بما للعلماء في ذلك هنالك والحمد لله .

[ ص: 117 ] 6149 - وأما التشديد في تركها فروي عن النبي - عليه السلام - من حديث ابن عمر ، وحديث ابن عباس ، وحديث أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين " .

6150 - وقد ذكرتها بأسانيدها في " التمهيد " .

6151 - والختم على القلوب مثل الطبع عليها .

وهذا وعيد شديد ; لأن من طبع على قلبه وختم عليه لم يعرف معروفا ولم ينكر منكرا .

6152 - وقد قال عبد الله بن مسعود ، والحسن البصري : إن الصلاة التي أراد النبي - عليه السلام - أن يحرق على من تخلف عنها - هي الجمعة .

6153 - ذكره ابن أبي شيبة عن الفضل بن دكين ، عن زهير ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، وعن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن وهي عن سفيان الثوري وابن المبارك ومروان بن معاوية ، [ ص: 118 ] عن عوف الأعرابي ، عن سعيد بن أبي الحسن ، عن عبد الله بن عباس أنه قال : " من ترك ثلاث جمعات متواليات - من غير عذر - فقد نبذ الإسلام وراء ظهره " .

6154 - وروى جرير وعبد الله بن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد أن رجلا سأل ابن عباس شهرا كل يوم يسأله عنها : ما تقول في رجل يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة ؟ فكان ابن عباس يقول في ذلك كله : صاحبك في النار .

6155 - وهذا يحتمل أن يكون ابن عباس عرف حال المسئول عنه باعتقاد مذهب الخوارج في ترك الصلاة مع الجماعة والتهمة باستحلال دماء المسلمين وتكفيرهم ، وأنه لذلك ترك الجمعة والجماعة معهم ، فأجابه بهذا الجواب ; تغليظا في سوء مذهبه .

6156 - وقد ذكرنا في " التمهيد " حديث علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبهم فقال في خطبته : " إن الله فرض عليكم الجمعة في يومي هذا وفي عامي هذا ، فمن تركها - جحودا بها واستخفافا لحقها - فلا جمع الله عليه شمله ، ولا بارك له في أمره . ألا ولا صلاة له ، ولا زكاة له ، ولا صوم له ، ولا حج له إلا أن يتوب . فمن تاب تاب الله عليه " في حديث طويل ذكرته من طرق في " التمهيد " وقد بان فيه أن الوعيد المذكور إنما هو لمن تركها جحودا بها واستخفافا بحقها .

6157 - وفي قوله تعالى : [ ص: 119 ] " ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " ( الجمعة : 9 ) - كفاية في وجوب الجمعة على من سمع النداء .

6158 - وأجمع علماء الأمة أن الجمعة فريضة على كل حر ، بالغ ، ذكر ، يدركه زوال الشمس في مصر من الأمصار وهو من أهل المصر ، غير مسافر .

6159 - وأجمعوا أنه من تركها وهو قادر على إتيانها ممن تجب عليه أنه غير كافر بفعله ذلك ، إلا أن يكون جاحدا لها مستكبرا عنها .

6160 - وأجمعوا أنه بتركها ثلاث مرات - من غير عذر - فاسق ساقط الشهادة .

6161 - وقيل ذلك فيمن تركها عامدا مرة واحدة من غير تأويل ولا عذر .

6162 - فإن قال بعض أهل الجهل : إنه روى ابن وهب ، عن مالك أن شهودها سنة فالجواب عن ذلك : أن شهودها سنة على أهل القرى الذين اختلف السلف والخلف في إيجاب الجمعة عليهم ، وأما أهل الأمصار فلا .

6163 - ونحن نورد ذلك على نصه والرواية في سماع ابن وهب ، عن مالك ، قال : قال لي مالك : كل قرية متصلة البيوت وفيها جماعة من المسلمين فينبغي لهم أن يجمعوا إذا كان إمامهم يأمرهم أن يجمعوا ، أو ليؤمروا رجلا فيجمع بهم ; لأن الجمعة سنة .

6164 - هذه رواية ابن وهب التي شبه بها على من لا علم له . ولم يعلم أن من أهل العلم جماعة يقولون : إنه لا جمعة إلا في مصر جامع .

6165 - وفي قول مالك في رواية ابن وهب هذه : إذا كان إمامهم يأمرهم دليل على أن وجوب الجمعة عنده في القرية الكبيرة التي ليست بمصر إنما هو [ ص: 120 ] اجتهاد منه سنة وتشبيه لها بالمصر المجتمع على إيجاب الجمعة فيه .

6166 - ومسائل الاجتهاد لا تقوى قوة توجب القطع عليها ، وقد أخبرتك بالإجماع القاطع للعذر وعليه جماعة فقهاء الأمصار .

6167 - فلهذا أطلق مالك أنها سنة في قرى البادية ، لما رأى من العمل بها ببلده ، وإن كان فيها خلاف معلوم عنده وعند غيره .

6168 - وقد ذكرنا الاختلاف في التجميع في القرى الصغار والكبار في " التمهيد " .

6169 - على أنه يحتمل أن يكون قول مالك : سنة ، أي طريقة الشريعة التي سلكها المسلمون ولم يختلفوا فيها ، هذا لو أراد الجمعة بالأمصار .

6170 - وقال مكحول : السنة سنتان : سنة فريضة وسنة غير فريضة .

6171 - فالسنة الفريضة الأخذ بها فريضة ، وتركها كفر ، والسنة غير الفريضة الأخذ بها فضيلة ، وتركها إلى غير حرج .

6172 - وقد روى ابن وهب ، عن مالك ، قال : سمعت بعض أهل العلم يقول : كان الناس في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزلون من العوالي يشهدون الجمعة مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

6173 - قال : والعوالي من المدينة على ثلاثة أميال أو نحو ذلك .

6174 - قال ولم يبلغني أن شهودها يجب على أحد أبعد من ذلك .

6175 - قال أبو عمر : هذا يدل على أنها واجبة على هؤلاء عنده وعلى من هو أقرب إلى المصر منهم .

6176 - وأما المصر فيه عنده واجبة على أهله وعلى كل من سمع [ ص: 121 ] النداء ، أو كان بمكان يسمع منه أو رأس ثلاثة أميال أو أدنى .

6177 - ومن كان أبعد من ذلك فهو في سعة إن شاء الله .

6178 - وقد روى ابن القاسم ، عن مالك أنه قال في القرى التي تجمع فيها الجمعة ، ولا يكون لهم وال ، قال : ينبغي أن يقدموا رجلا فيخطب بهم ويصلي .

6179 - قال ابن القاسم : قال لي مالك : إن لله فرائض في أرضه فرائض لا يسقطها الوالي .

6180 - قال ابن القاسم : يريد الجمعة : فهذه الرواية هي التي عليها جماعة العلماء بالفقه والحديث في جميع الأمصار ، والحمد لله ، ولم يختلفوا أن الجمعة واجب شهودها على كل بالغ من الرجال حر ، إذا كان في مصر جامع ، هذا إجماع من علماء السلف والخلف .

6181 - واختلفوا في القرى الصغار في أنفسها ، وفي المسافة التي منها يجب قصد المصر للجمعة من البوادي على ما قد ذكرناه في " التمهيد " ، ونذكر هاهنا اختلاف فقهاء الأمصار .

[ ص: 122 ] 6182 - قال مالك : من كان بينه وبين الجمعة ثلاثة أميال فعليه إتيان الجمعة . وهو قول الليث ، والشافعي ، لأنه تجب على أهل المصر وعلى من كان خارج المصر من موضع يسمع فيه النداء ، والنداء يسمع بالصوت الندي من ثلاثة أميال فيما ذكروا .

6183 - وروى علي بن زياد ، عن مالك ، قال : عزيمة الجمعة على من كان من المصر بموضع يسمع فيه النداء ، وذلك ثلاثة أميال .

6184 - وأما اختلافهم في العدد الذي تصح به الجمعة : فأما مالك فلم [ ص: 123 ] يحد فيه حدا وراعى القرية المجتمعة المتصلة البيوت .

6185 - قال ابن القاسم : كالروحاء وشبهها فإذا كانت كذلك لزمتهم الجمعة .

6186 - وقال مطرف وابن الماجشون : تجب الجمعة على أهل ثلاثين بيتا فما فوق ذلك ، بوال وبغير وال .

6187 - وعن عمر بن عبد العزيز : خمسين رجلا .

6188 - وقال أبو حنيفة والليث : ثلاثة سوى الإمام .

6189 - وقال أبو يوسف : اثنان سوى الإمام .

6190 - وبه قال الثوري وداود .

6191 - وقال الحسن بن صالح والطبري : إن لم يحضر مع الإمام إلا رجل واحد يخطب عليه وصلى الجمعة أجزتهما .

6192 - واعتبر الشافعي وأحمد بن حنبل أربعين رجلا .

6193 - وعن أبي هريرة : مائتا رجل .

6194 - وقالت طائفة : اثنا عشر رجلا ; لأن الذين بقوا مع النبي - عليه السلام - فأقام الجمعة بهم إذ تركوه قائما كانوا اثني عشر رجلا .

6195 - ولكل قول وجه يطول الاحتجاج له وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث