الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث صلاة أبي بكر بصلاة رسول الله وصلا الناس بصلاة أبي بكر

جزء التالي صفحة
السابق

308 278 - وذكر مالك أيضا في هذا الباب عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في مرضه فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس ، فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن كما أنت ، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر .

[ ص: 396 ] [ ص: 397 ]

التالي السابق


[ ص: 396 ] [ ص: 397 ] 7403 - هذا مرسل في " " الموطأ " " وقد وصله حماد بن سلمة وابن نمير وأبو أسامة ، فرووه عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، وقد ذكرنا ذلك في " التمهيد " .

7404 - وفي الحديث ما يدل على أن قوله - صلى الله عليه وسلم - في الإمام : " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " - منسوخ ; لأن هذا الفعل كان سنة في علته التي مات منها - صلى الله عليه وسلم - .

7405 - وقوله الأول : كان إذ صرع عن فرس فجحش شقه فصلى في بيته [ ص: 398 ] صلاة من الصلوات - يعني : المكتوبات - جالسا ، وأشار إلى من خلفه أن يجلس وأمرهم أن يصلوا جلوسا إذا صلى إمامهم جالسا .

7406 - وفي هذا الحديث أن أبا بكر والناس كانوا قياما خلفه وهو قاعد ، فلم يشر إليهم بالجلوس ، ولا نهاهم عن فعلهم ذلك ، فعلم أن هذا ناسخ لما قبله .

7407 - فإن قيل : إنه قد اختلف عن عائشة في حديثها هذا ، فروي عنها أن أبا بكر كان المقدم ، وروي عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإمام المتقدم في تلك الصلاة .

7408 - قيل : وليس هذا باختلاف ; لأنه قد يجوز أن يكون أبو بكر المقدم في وقت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - المقدم في وقت آخر ، لأن مرضه كان أياما خرج فيها مرارا .

7409 - وقد روى الثقات الحفاظ أن أبا بكر كان خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدا ، وأبو بكر قائم والناس قيام .

7410 - وقد ذكرنا الآثار بذلك من الطرق الصحاح في كتاب " التمهيد " في باب مرسل هشام بن عروة والحمد لله .

7411 - وقد روى شعبة عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : من الناس من يقول : كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من يقول كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المقدم بين يدي أبي بكر .

7412 - وأكثر أحوال حديث عائشة في هذا الباب عند المخالف أن يجعل متعارضا فلا يوجب حكما وإذا كان ذلك كذلك لم يحتج بشيء منه ، ورجعنا إلى حديث ابن عباس فإنه لم يختلف فيه عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في [ ص: 399 ] مرضه يهادى بين رجلين ، فانتهى إلى أبي بكر وهو يؤم الناس ، فجلس إلى أبي بكر وأخذ من الآية التي انتهى إليها أبو بكر ، فجعل أبو بكر يأتم بالنبي ، والناس يأتمون بأبي بكر .

7413 - وقد ذكرنا خبر ابن عباس هذا من طرق في " التمهيد " [ ص: 400 ] فأوضحنا معناه هناك وأخبرنا عن العلة الموجبة لقيام أبي بكر وقيام الناس معه ، بعد أن كان هو الإمام في أول تلك الصلاة ، وأنهما لم يكونا إمامين في صلاة واحدة كما زعم من أراد إبطال الحديث بذلك ، وأن ذلك إنما كان لأن الإمام يحتاج أن يسمع من خلفه تكبيره ويظهر إليهم أفعاله ، وكانت حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مرضه حال من يضعف عن ذلك ، فأقام أبا بكر إلى جنبه لينوب عنه في إسماع الناس التكبير ، ورؤيتهم لخفضه ورفعه ; ليقتدوا به في حركاته وهو جالس والناس وأبو بكر وراءه قيام .

7414 - وصحت بذلك النكتة التي بان فيها أن صلاة القائم خلف الإمام المريض جائزة ، وأن قوله : " فصلوا جلوسا " منسوخ .

7415 - وقد بينا أن ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - : " لا يؤمن أحد بعدي قاعدا " . منكر باطل لا يصح من جهة النقل .

7416 - وكذلك حديث ربيعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منقطع لا يصح أيضا ولا يحتج بمثله على الآثار الثابتة الصحاح من نقل الأئمة ، وبالله التوفيق .

7417 - وهذه المسألة فيها للعلماء أقوال .

أحدها : قول أحمد بن حنبل ومن تابعه : " تجوز صلاة الصحيح جالسا خلف الإمام المريض جالسا " ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " .

7418 - والثاني : قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وزفر ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، وداود : " جائز أن يقتدي القائم بالقاعد في الفريضة وغيرها " ; لأن على كل واحد أن يصلي كما يقدر عليه ولا يسقط فرض القيام عن المأموم الصحيح لعجز إمامه عنه .

7419 - وقد روى الوليد بن مسلم ، عن مالك مثل ذلك .

[ ص: 401 ] 7420 - والثالث : قول مالك في المشهور عنه وعن أصحابه أنه : " ليس لأحد أن يؤم جالسا وهو مريض بقوم أصحاء قيام ولا قعود .

7421 - وهو مذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ، فإن صلوا قياما خلف إمام مريض جالس فعليهم عند مالك الإعادة . قيل عنه : في الوقت وقيل أبدا .

7422 - قال سحنون : اختلف قول مالك في ذلك ، ومن أصحاب مالك من قال : يعيد الإمام المريض معهم . وأكثرهم على أنهم يعيدون دونه .

7423 - وقال مالك ، والحسن بن حي ، والثوري ، ومحمد بن الحسن في قائم اقتدى بجالس ، أو جماعة صلوا قياما خلف إمام جالس مريض ، إنها تجزيه ولا تجزيهم .

7424 - واختلف أصحاب مالك في إمامة المريض بالمرضى جلوسا كلهم : فأجازها بعضهم ، وهو قول جمهور الفقهاء ، وكرهها أكثرهم وهو قول ابن القاسم ومحمد بن الحسن .

7425 - وأما قوله في حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس - في هذا الباب - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا . . . " فإنه يدل على أن عمل المأموم يكون بعقب عمل الإمام وبعده ، فلا فصل لقوله : " إذا ركع . . . " وهذا يقتضي ركوعه .

7426 - وكذلك يقتضي قوله : " وإذا رفع " رفعه . فإذا حصل من الإمام الركوع والرفع والسجود فعل المأموم بعده .

7427 - واختلف قول مالك في ذلك .

7428 - فروي عنه أن عمل المأموم كله مع عمل الإمام ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه ما خلا الإحرام والتسليم ، فإنه لا يكون ذلك إلا بعد عمل الإمام وبعقبه .

[ ص: 402 ] 7429 - وروي عنه مثل ذلك أيضا ما خلا الإحرام والقيام من اثنتين والسلام .

7430 - وكان شيخنا أبو عمر رحمه الله يذهب إلى الرواية الأولى [ ص: 403 ] ورأيته مرات لا أحصيها كثرة يقوم مع الإمام في حين قيامه من اثنتين قبل اعتداله وقبل تكبيره ، ولا يراعي اعتداله وتكبيره ، وكان يقول : هي أصح عن مالك قياسا على سائر حركات البدل في الصلاة أنها يكون فيها عمل المأموم مع عمل الإمام ، إلا ما يبتدئ به منها الإمام .

7431 - وقد روي عن مالك أيضا أن الأحب إليه في هذه المسألة أن يكون عمل المأموم بعد عمل الإمام وبعقبه في كل شيء .

7432 - وقد ذكرت في " التمهيد " حديث أبي موسى الأشعري أنه علم أصحابه الصلاة وسننها فقال في الحديث : " وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم " . وقال : قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : " فتلك بتلك " .

[ ص: 404 ] 7433 - وقال أبو بكر الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل : متى يكبر من خلف الإمام ومتى يركع ؟ فذكر الحديث " إذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا " ثم قال : يتبعه في كل شيء يصنعه كلما فعل شيئا فعله بعده .

7434 - وهو معنى قول الشافعي .

7435 - وأما قوله في حديث ابن شهاب ، عن أنس أيضا في هذا الباب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد " . فإنه يقتضي ما قاله مالك ومن قال بقوله في ذلك : إن الإمام يقتصر على قول : " سمع الله لمن حمده " دون أن يقول : " ربنا ولك الحمد " وإن المأموم يقتصر على قول " ربنا ولك الحمد " دون أن يقول : " سمع الله لمن حمده " .

[ ص: 405 ] 7436 - وهو حجة على من قال : يقول الإمام : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد كما يقول المنفرد ، وإن المأموم كذلك يقول أيضا .

7437 - ولا أعلم خلافا أنه المنفرد يقول : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، أو ولك الحمد .

7438 - وإنما اختلفوا في الإمام والمأموم ، فقالت طائفة من أهل العلم : إنما يقول الإمام : " سمع الله لمن حمده " فقط ، ولا يقول : " ربنا ولك الحمد " .

7439 - وممن قال ذلك أبو حنيفة ومالك وأصحابهما ، والليث بن سعد .

7440 - وحجتهم ظاهر حديث ابن شهاب ، عن أنس هذا وما مثله .

7441 - وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والشافعي وأحمد بن حنبل : يقول الإمام : " سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " كما يقول المنفرد .

7442 - وحجتهم حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وعبد الله بن أبي أوفى ، فكلهم حكى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : " سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " .

7443 - وقال الشافعي : ويقول الإمام أيضا : " سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد " كما يقول الإمام والمنفرد ; لأن الإمام إنما جعل ليؤتم به .

7444 - وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ، والثوري ، وأحمد بن حنبل : لا يقول المأموم : " سمع الله لمن حمده " وإنما يقول : " ربنا ولك الحمد " فقط .

7445 - وحجتهم حديث ابن شهاب هذا عن أنس : " حديث هذا الباب " وحديث أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

7446 - وفي هذا الحديث أيضا دليل على ما اختاره مالك من قوله : " ربنا ولك الحمد " بالواو .

[ ص: 406 ] 7447 - ذكره ابن القاسم وغيره عنه .

7448 - وحكى الأثرم قال : سمعت أحمد بن حنبل ثبت الواو في : " ربنا ولك الحمد " ، وقال : روى الزهري فيه ثلاثة أحاديث ، أحدها عن أنس ، والثاني عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، والثالث عن سالم عن أبيه يعني حديث رفع اليدين ، وقال في حديث علي رضي الله عنه : " اللهم ربنا ولك الحمد " بالواو .

7449 - والله الموفق للصواب لا رب غيره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث