الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

وأما سنن الوضوء ، فكثيرة :

إحداها : السواك . وهو : سنة مطلقا ، ولا يكره إلا بعد الزوال لصائم . وفي غير هذه الحالة مستحب في كل وقت . ويتأكد استحبابه في أحوال عند الصلاة وإن لم يكن متغير الفم ، وعند الوضوء وإن لم يصل ، وعند قراءة القرآن ، وعند اصفرار الأسنان وإن لم يتغير الفم ، وعند تغير الفم بنوم ، أو طول سكوت ، أو ترك أكل ، أو أكل ما له رائحة كريهة ، أو غير ذلك . ويحصل السواك بخرقة ، وكل خشن مزيل ، لكن العود أولى ، والأراك منه أولى ، والأفضل أن يكون بيابس ندي بالماء ، ولا يحصل بأصبع خشنة على أصح الأوجه . والثالث : يحصل عند عدم العود ، ونحوه . ويستحب أن يستاك عرضا .

قلت : كره جماعة من أصحابنا الاستياك طولا . ولنا قول غريب : أنه لا يكره [ ص: 57 ] السواك لصائم بعد الزوال . ويستحب أن يبدأ بجانب فمه الأيمن ، وأن يعود الصبي السواك ليألفه . ولا بأس أن يستاك بسواك غيره بإذنه . ويستحب أن يمر السواك على سقف حلقه إمرارا لطيفا ، وعلى كراسي أضراسه . وينوي بالسواك السنة .

ويسن السواك أيضا عند دخوله بيته ، واستيقاظه من نومه ، للحديث الصحيح فيهما . والله أعلم .

والثانية : أن يقول في ابتداء وضوئه : بسم الله ، فلو نسيها في الابتداء ، أتى بها متى ذكرها قبل الفراغ ، كما في الطعام . فإن تركها عمدا . فهل يشرع التدارك ؟ فيه احتمال .

قلت : قول الإمام الرافعي فيه احتمال عجيب ، فقد صرح أصحابنا بأنه يتدارك في العمد ، وممن صرح به المحاملي في ( المجموع ) والجرجاني في ( التحرير ) وغيرهما ، وقد أوضحته في ( شرح المهذب ) قال أصحابنا : ويستحب التسمية في ابتداء كل أمر ذي بال من العبادات وغيرها حتى عند الجماع . والله أعلم .

[ ص: 58 ] الثالثة : غسل الكفين قبل الوجه . سواء قام من النوم وشك في نجاسة اليد وأراد غمس يده في الإناء ، أم لم يكن شيء من ذلك ، لكن إن أراد غمس يديه في إناء قبل غسلهما ، كره إن لم يتيقن طهارتهما . فإن تيقنها ، فوجهان . الأصح لا يكره الغمس .

قلت : ولا تزول الكراهة إلا بغسلهما ثلاثا قبل الغمس . نص عليه البويطي ، وصرح به الأصحاب للحديث الصحيح . وقال أصحابنا : إذا كان الماء في إناء كبير ، أو صخرة مجوفة ، بحيث لا يمكن أن يصب منه على يده ، وليس معه ما يغترف به ، استعان بغيره ، أو أخذ الماء بفمه ، أو طرف ثوب نظيف ونحوه . والله أعلم .

الرابعة : المضمضة ، والاستنشاق ، ثم أصل هذه السنة يحصل بوصول الماء إلى الفم ، والأنف . سواء كان بغرفة ، أو أكثر . وفي الأفضل طريقان . الصحيح : أن فيه قولين : أظهرهما : الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل . والثاني : الجمع بينهما أفضل ، والطريق الثاني : الفصل أفضل قطعا . وفي كيفيته وجهان . أصحهما : يتمضمض من غرفة ثلاثا ، ويستنشق من أخرى ثلاثا . والثاني : بست غرفات ، وتقديم المضمضة على الاستنشاق شرط على الأصح . وقيل : مستحب . [ ص: 59 ] وفي كيفية الجمع وجهان ، الأصح : بثلاث غرفات ، يتمضمض من كل غرفة ، ويستنشق . والثاني : بغرفة يتمضمض منها ثلاثا ، ثم يستنشق منها ثلاثا ، وقيل : بل يتمضمض منها ثم يستنشق مرة ، ثم كذلك ثانية وثالثة .

قلت : المذهب من هذا الخلاف ، أن الجمع بثلاث أفضل ، كذا قاله جماعة من المحققين ، والأحاديث الصحيحة مصرحة به وقد أوضحته في ( شرح المهذب ) . والله أعلم .

الخامسة : المبالغة في المضمضة والاستنشاق ، فيبلغ ماء المضمضة أقصى الحنك ، ووجهي الأسنان ، وتمر الأصبع عليها ، ويصعد ماء الاستنشاق بنفسه إلى الخيشوم مع إدخال الإصبع اليسرى ، وإزالة ما هناك من أذى . فإن كان صائما لم يبالغ فيهما .

قلت : ولو جعل الماء في فيه ولم يدره ، حصلت المضمضة على الصحيح . والله أعلم .

السادسة : التكرار ثلاثا في المغسول والممسوح المفروض والمسنون ، ولنا قول شاذ : أنه لا يكرر مسح الرأس ، ووجه أشذ منه : أنه لا يكرره ، ولا مسح الأذنين . ولو شك هل غسل ولا مسح مرة ، أو مرتين ، أم ثلاثا ؟ أخذ بالأقل على الصحيح ، وقيل : بالأكثر .

قلت : تكره الزيادة على ثلاث ، وقيل : تحرم ، وقيل : هي خلاف الأولى ، والصحيح : الأول ، وإنما تجب الغسلة مرة ، وإذا استوعبت العضو . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث