الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب

مسح الخف

وهو جائز بشرطين :

أحدهما : لبسه على طهارة كاملة . فلو غسل رجلا فلبس خفها ، ثم غسل الأخرى ، لم يجز المسح ، فلو نزع الأولى ثم لبسها ، كفاه ، وجاز المسح بعده على الصحيح . وعلى الثاني : لا بد من نزعهما . ولو أدخل الرجلين ساقي الخفين بلا غسل ، ثم غسلهما ، ثم أدخلهما قرار الخف ، صح لبسه ، وجاز المسح . ولو لبس متطهرا ، ثم أحدث قبل وصول الرجل قدم الخف ، أو مسح بشرطه ، ثم أزال القدم من مقرها ولم يظهر من محل الفرض شيء ، ففي الصورتين ثلاثة أوجه . الصحيح : جواز المسح في الثانية ، ومنعه في الأولى . والثاني : يجوز [ ص: 125 ] فيهما . والثالث : لا يجوز فيهما . ولو لبست المستحاضة على وضوئها ، ثم أحدثت بغير الاستحاضة ، فوجهان . أحدهما : لا يصح مسحها لضعف طهارة لبسها . والصحيح : المنصوص جوازه . فعلى هذا لو انقطع دمها ، وشفيت قبل المسح ، لم يجز المسح على المذهب ، وقيل : فيه الوجهان . وحيث جوزنا ، فإنما يستبيح بلبسها المسح لما شاءت من النوافل ، ولفريضة إن لم تكن صلت بوضوء اللبس فريضة ، بأن أحدثت بعد وضوئها ولبسها قبل أن تصلي تلك الفريضة ولا غيرها من الفرائض ، فإن أحدثت بعد فعل الفريضة ، مسحت ، واستباحت النوافل ، ولا تستبيح فريضة مقضية ، ولا مؤداة تحضر . فإن أرادت فريضة ، وجب نزع الخف ، واستئناف اللبس بطهارة . ولنا وجه شاذ أنها تستوفي مدة المسح يوما وليلة حضرا ، وثلاثة سفرا ، ولكن تعيد الوضوء والمسح لكل فريضة . وفي معنى طهارة المستحاضة ، طهارة سلس البول ، وكل من به حدث دائم ، وكذا الوضوء المضموم إليه التيمم لجراحة أو كسر ، فحكمهم حكمها بلا فرق . وأما من محض التيمم بلا وضوء ، فإن كان بسبب غير إعواز الماء ، فهو كالمستحاضة . وإن كان للإعواز ، فقال ابن سريج : هو كهي . والصحيح : أنه لا يستبيح المسح أصلا .

الشرط الثاني : أن يكون الملبوس صالحا للمسح ، وصلاحيته بأمور :

الأول : أن يستر محل فرض غسل الرجلين ، فلو قصر عن محل الفرض ، لم يجز قطعا ، وفي المخروق قولان . القديم : جواز المسح ما لم يتفاحش الخرق ، بأن لا يتماسك في الرجل ، ولا يتأتى المشي عليه ، وقيل : التفاحش : أن يبطل اسم الخف . والجديد : الأظهر لا يجوز إذا ظهر شيء من محل الفرض وإن قل . ولو تخرقت البطانة أو الظهارة ، جاز المسح إن كان الباقي صفيقا ، وإلا فلا على الصحيح . ويقاس على هذا ما إذا تخرق من الظهارة موضع ، ومن البطانة موضع آخر لا يحاذيه . أما الخف المشقوق القدم إذا شد محل الشق بالشرج ، فإن ظهر [ ص: 126 ] شيء مع الشد ، لم يجز المسح . وإلا جاز على الصحيح المنصوص . فلو فتح الشرج ، بطل المسح في الحال وإن لم يظهر شيء .

الأمر الثاني : أن يكون قويا ، بحيث يمكن متابعة المشي عليه بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال ، فلا يجوز المسح على اللفائف والجوارب المتخذة من صوف ولبد ، وكذا الجوارب المتخذة من الجلد الذي يلبس مع المكعب ، وهي جوارب الصوفية ، لا يجوز المسح عليها حتى يكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها ، ويمنع نفوذ الماء إن شرطناه ، إما لصفاقتها ، وإما لتجليد القدمين والنعل على الأسفل ، أو الإلصاق على المكعب . وقيل : في اشتراط تجليد القدم مع صفاقتها قولان . ولو تعذر المشي فيه لسعته المفرطة ، أو ضيقه ، لم يجز المسح على الأصح . ولو تعذر لغلظه ، أو ثقله ، كالخشب والحديد ، أو لتحديد رأسه بحيث لا يستقر على الأرض ، لم يجز . ولو اتخذ لطيفا من خشب ، أو حديد يتأتى المشي فيه ، جاز قطعا . ولو لم يقع عليه اسم الخف ، بأن لف على رجله قطعة أدم وشدها ، لم يجز المسح .

الأمر الثالث : - في أوصاف مختلف فيها - فالخف المغصوب ، والمسروق ، وخف الذهب أو الفضة ، يصح المسح عليه على الأصح . والخف من جلد كلب أو ميتة قبل الدباغ لا يجوز المسح عليه قطعا ، لا لمس مصحف ولا لغيره . ولو وجدت في الخف شرائطه ، إلا أنه لا يمنع نفوذ الماء ، لم يجز المسح على الأصح .

واختار إمام الحرمين والغزالي الجواز .

قلت : ولو لبس واسع الرأس يرى من رأسه القدم ، جاز المسح عليه على الصحيح . ويجوز على خف زجاج قطعا إذا أمكن متابعة المشي عليه . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث