الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فإذا نزل به ، تعاهد بل حلقه بماء أو شراب ، وندى شفتيه بقطنة ، ولقنه قول لا إله إلا الله مرة ، ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده ، فيعيد تلقينه بلطف ومدارة ، ويقرأ عنده سورة يس ، وتوجيهه إلى القبلة . فإذا مات أغمض عينيه ، وشد لحييه ، ولين مفاصله ، وخلع ثيابه ، وسجاه بثوب . يستره ، وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ، ووضعه على سرير غسله ، متوجها منحدرا نحو رجليه ، ويسارع في قضاء دينه ، وتفريق وصيته . وتجهيزه إذا تيقن موته بانفصال كفيه ، وميل أنفه ، وانخساف صدغيه ، واسترخاء رجليه .

التالي السابق


( فإذا نزل به ) أي : نزل الملك به لقبض روحه ( تعاهد ) أرفق أهله وأتقاهم لربه ( بل حلقه بماء أو شراب ، وندى شفتيه بقطنة ) لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة ، ويسهل عليه النطق بالشهادة ( ولقنه قول لا إله إلا الله ) لما روى مسلم عن أبي سعيد مرفوعا : لقنوا موتاكم " لا إله إلا الله " ، وأطلق على المحتضر ميتا باعتبار ما هو واقع لا محالة ، وعن معاذ مرفوعا من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أحمد ، والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد ، واقتصر عليها ; لأن إقراره بها إقرار بالأخرى ، وفيه شيء ، وفي " الفروع " احتمال ، وقاله بعض العلماء ، يلقن الشهادتين ; لأن الثانية تبع فلهذا اقتصر في الخبر على الأولى ، قال أبو المعالي : ويكره من الورثة بلا عذر ( مرة ) نقله مهنا وأبو طالب ( ولم يزد على ثلاث ) لئلا يضجره ، وعن ابن المبارك لما حضره الموت فجعل رجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال : إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم ( إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه بلطف ومداراة ) ذكره النووي إجماعا ; لأن اللطف مطلوب في كل موضع ، فهنا أولى ( ويقرأ عنده سورة يس ) لقوله ـ عليه السلام ـ اقرءوا يس على موتاكم رواه أبو داود وابن ماجه ، وفيه لين من حديث معقل بن يسار ، ولأنه يسهل خروج الروح ، ونص على أنه يقرأ عنده فاتحة الكتاب ، وقيل : وتبارك .

( و ) يستحب ( توجيهه إلى القبلة ) لقوله ـ عليه السلام ـ عن البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا رواه أبو داود ، ولقول حذيفة : وجهوني . وعلى جنبه الأيمن أفضل ، نص عليه ، إن كان المكان واسعا ، وعنه : مستلقيا ، اختاره الأكثر ، وعنه : سواء ، وعلى الثانية يرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة . ذكره جماعة ، ويستحب تطهير ثيابه ، ذكره في " المغني " ، و " الشرح " ; لأن أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد ثم قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها رواه أبو داود ، وذكر ابن الجوزي عن بعض العلماء أن المراد بثيابه عمله ( فإذا مات أغمض عينيه ) لأنه ـ عليه السلام ـ أغمض أبا سلمة ، وقال : إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون رواه مسلم ، وعن شداد مرفوعا إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر ، فإن البصر يتبع الروح ، وقولوا خيرا ، فإنه يؤمن على ما قال رواه أحمد ، ولئلا يقبح منظره ، ويساء به الظن ، ويقول من يغمضه : بسم الله ، وعلى وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نص عليه .

فرع : يغمض الرجل ذات محرم وتغمضه ، وكره أحمد أن تغمضه حائض أو جنب أو يقرباه ، وتغمض الأنثى مثلها أو صبي ، وفي الخنثى وجهان .

( وشد لحييه ) لئلا يدخله الهوام أو الماء في وقت غسله ( ولين مفاصله ) لتبقى أعضاؤه سهلة على الغاسل لينة ، ومعناه أنه يرد ذراعيه إلى عضديه ، ثم يردهما إلى جنبيه ، ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه ، وهما إلى بطنه ، ثم يردهما ، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتها ، فإن شق ذلك تركه ( وخلع ثيابه ) لئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير ، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها ( وسجاه ) أي : غطاه ( بثوب يستره ) لما روت عائشة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين توفي سجي ببرد حبرة متفق عليه ، ولأنه أعظم في كرامته ، وينبغي أن يعطف فاضل الثواب عند رأسه ورجليه لئلا يرتفع بالريح ( وجعل على بطنه مرآة ) بكسر الميم التي ينظر فيها ( أو نحوها ) من حديد أو طين لقول أنس : ضعوا على بطنه شيئا من حديد . ولئلا ينتفخ بطنه ، قال ابن عقيل : وهذا لا يتصور إلا وهو على ظهره ( ووضعه على سرير غسله ) لأنه يبعد عن الهوام ، ويرتفع عن نداوة الأرض ( متوجها ) إلى القبلة على جنبه الأيمن ، وقيل : على ظهره ( منحدرا نحو رجليه ) أي : يكون رأسه أعلى من رجليه ، لينصب عنه ماء الغسل وما يخرج منه .

( و ) يجب أن ( يسارع في قضاء دينه ) لما روى الشافعي وأحمد والترمذي ، وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ، ولا فرق بين دين الله تعالى ودين الآدمي ، زاد في " الرعاية " قبل غسله ، وقال السامري : قبل دفنه بوفائه أو برهن أو ضمين عنه إن تعذر وفاؤه عاجلا ، ولما فيه من إبراء الذمة .

( و ) يسن ( تفريق وصيته ) لما فيه من تعجيل الأجر ، واقتضى ذلك تقديم الدين على الوصية لقول علي : قضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدين قبل الوصية وذهب أبو ثور إلى النص ، وجوابه : أن الوصية لما أشبهت الميراث في كونها بلا عرض ، فكان في إخراجها مشقة على الوارث ، فقدمت حثا على إخراجها قال الزمخشري : ولذلك جيء بكلمة ( أو ) التي للتسوية أي : فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع ، وإن كان مقدما عليها ( وتجهيزه ) لقوله ـ عليه السلام ـ لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود ، ولأنه أصون له ، وأحفظ من التغيير ، لكن لا بأس أن ينتظر من يحضره من وليه وغيره إن كان قريبا ، ولم يخش عليه أو يشق على الحاضرين ، نص عليه ، فإن مات فجأة أو شك في موته انتظر به حتى موته ، قال أحمد : من غدوة إلى الليل ، وقال القاضي : ترك يومين أو ثلاثة ما لم يخف فساده ( إذا تيقن موته بانفصال كفيه ، وميل كلاهما ، وانخساف صدغيه ، واسترخاء رجليه ) لأن هذه العلامات دالة على الموت يقينا ، زاد في " الشرح " ، و " الرعاية " ، وامتداد جلدة وجهه ، وظاهر " المستوعب " ، و " التلخيص " ، و " الفروع " أن ذلك راجع إلى المسارعة في تجهيزه ، وكلام ابن تميم دال على أن هذا راجع إلى قوله : ولين مفاصله وما بعده ، وظاهر كلامه في " المذهب " ، وصرح به ابن المنجا أنه راجع إلى قضاء الدين وما بعده ; لأن الأولين لا ولاء به لأحد عليهما إلا بعد الموت ، والتجهيز قبل تيقن الموت تفريط .

مسألة : لا يستحب النعي ; وهو النداء بموته ، بل يكره ، نص عليه ، ونقل صالح : لا يعجبني ، وعنه : يكره إعلام غير صديق أو قريب ، ونقل حنبل : أو جار ، وعنه : أو أهل دين ، ويتوجه . يستحب لإعلامه ـ عليه السلام ـ أصحابه بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه متفق عليه . من حديث أبي هريرة ، وفيه كثرة المصلين ، فيحصل لهم ثواب ونفع للميت ، ولا بأس بتقبيله ، والنظر إليه ، ولو بعد تكفينه ، نص عليه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث