الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشهيد لا يغسل

جزء التالي صفحة
السابق

والشهيد لا يغسل . إلا أن يكون جنبا ، بل ينزع عنه السلاح ويزمل في ثيابه . وإن أحب كفنه بغيرها ، ولا يصلى عليه في أصح الروايتين . وإن سقط من دابته أو وجد ميتا ولا أثر به أو حمل ، فأكل أو طال بقاؤه ، غسل وصلي عليه . ومن قتل مظلوما فهل يلحق بالشهيد ؛ على روايتين .

التالي السابق


( والشهيد ) وهو من قتل بأيدي الكفار في معركتهم ( لا يغسل ) لما روى جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم ، ولم يغسلهم ، ولم يصل عليهم رواه البخاري ، ولأحمد معناه ، وظاهره : ولو كان غير مكلف صرح به في [ ص: 235 ] " الفروع " ، وجزم أبو المعالي بتحريمه ، وحكي رواية ; لأنه أثر الشهادة والعبادة وهو حي . ( إلا أن يكون جنبا ) فإنه يغسل على الصحيح لما روى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إن صاحبكم لتغسله الملائكة ، يعني حنظلة ، قالوا لأهله : ما شأنه ؛ فقالت : خرج وهو جنب حين سمع الهائعة ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لذلك غسلته الملائكة وفي " الكافي " أنه رواه أبو داود الطيالسي ، ولأنه غسل واجب لغير الموت فلم يسقط كغسل النجاسة ، والثانية : لا يجب للعموم ، ومثله حائض ونفساء طهرتا أولا ، وعلى الوجوب لو مات وعليه حدث أصغر ، فهل يتوضأ ؛ على وجهين ، وظاهره : أنه إذا أسلم ثم استشهد أنه لا يغسل للإسلام ; لأن أصرم بن عبد الله الأشهل أسلم يوم أحد ثم قتل فلم يأمر بغسله ، وقيل : يجب ، قدمه في " الفروع " ; وهو ظاهر " الوجيز " لقوله : ولا يغسل شهيد إلا لموجبه ( بل ينزع عنه ) أي : عن الشهيد لأمة الحرب من ( السلاح والجلود ) لما روى ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وقال : ادفنوهم بدمائهم رواه أحمد ، وأبو داود ، وفيه علي بن عاصم ، وفيه ضعف ، وكذا ينزع عنه خف وفرو ، نص عليه ، وتغسل نجاسة عليه ، ويجب بقاء دم لا تخالطه نجاسة ، فإن خالطته غسل في الأصح ( ويزمل ) أي : يلف ( في ثيابه ) ويدفن فيها ، لما روى أحمد عن [ ص: 236 ] عبد الله بن ثعلبة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال يوم أحد : زملوهم في ثيابهم والمنصوص عنه ; وهو المذهب : أن ذلك واجب ; لأنه أثر العبادة ، فعليه لا يزاد ولا ينقص بحسب المسنون ، ويرد عليه لو كان لابسا الحرير ولعله غير مراد ، وذكر القاضي في تخريجه : لا بأس بهما ( وإن أحب كفنه ) الوالي ( بغيرها ) تبع القاضي في " المجرد " ، وحكاه في " المحرر " قولا ، ونسبه الزركشي إلى الشذوذ ، لما روي أن صفية أرسلت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثوبين ليكفن فيهما حمزة ، فكفنه في أحدهما ، وكفن في الآخر رجلا آخر رواه يعقوب بن شيبة ، وقال : هو صالح الإسناد ، وأجاب في " الخلاف " بأنه يحتمل أن ثيابه سلبت ، أو أنهما ضما إلى ما كان عليه ، وقد روى في المعتمد ما يدل عليه ( ولا يصلى عليه في أصح الروايتين ) اختاره القاضي وأصحابه ، وجزم به في " الوجيز " للأخبار ، وهل ذلك لكونهم أحياء عند ربهم ، أو لغناهم عن الشفاعة ، فيه احتمالان ، والثانية : يصلى عليه ، اختاره الخلال وأبو بكر وأبو الخطاب لصلاته ـ عليه السلام ـ على أهل أحد متفق عليه . من حديث عقبة بن عامر ، وجوابه بأنه مخصوص بشهداء أحد بدليل أنه صلى عليهم بعد ثمان سنين . رواه البخاري . توديعا للأحياء والأموات ، والثالثة : يخير لتعارض الأخبار ، فيخير ، كرفع اليدين إلى الأذنين أو إلى المنكبين ، وحكي عنه التحريم .

( وإن سقط من دابته أو وجد ميتا ولا أثر به ، أو حمل ) بعد جرحه ( فأكل ، أو طال بقاؤه غسل وصلي عليه ) وفيه أمور .

أحدها : أنه إذا سقط في المعركة من دابة أو شاهق أو تردى في بئر [ ص: 237 ] فمات فيها أنه يغسل ويصلى عليه ; لأن موته بسبب ذلك ، أشبه ما لو مات بغير قتل المشركين ، وشرطه أن يكون بغير فعل العدو فأما إذا كان بفعلهم فلا .

الثاني : إذا وجد ميتا ولا أثر فكذلك ; لأن الأصل وجوب الغسل والصلاة ، فلا يسقط بالاحتمال ، وعنه : لا ; لأنه مات بسبب من أسباب القتال ، وظاهره أنه إذا كان به أثر فإنه لا يغسل ، زاد أبو المعالي : لا دم من أنفه أو دبره أو ذكره ; لأنه معتاد ، قال القاضي وغيره : اعتبرنا الأثر هنا احتياطا للغسل ، ولم نعتبره في القسامة احتياطا ، لوجوب الدم ، فإن مات حتف أنفه غسل ، كمن رد عليه سهمه فقتله ، نص عليه ، ونصر المؤلف أنه كقتل الكفار ; لأن عامر بن الأكوع بارز رجلا يوم خيبر فعاد عليه سيفه فقتله فلم يفرد عن الشهداء بحكم ، وهذا هو الظاهر .

الثالث : أنه إذا حمل بعد جرحه فأكل ، أنه يغسل لتغسيله ـ عليه السلام ـ سعد بن معاذ ، ولأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة ، وظاهره : إذا شرب أو تكلم أنه لا يغسل ، ولا يصلى عليه ، صححه المؤلف ، وابن تميم ; لأنه ـ عليه السلام ـ لم يغسل سعد بن الربيع ، وأصرم بن عبد الأشهل ، وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب ، ولكن قدم السامري ، وابن تميم ، والمجد والجد أن من شرب أو نام أو بال كمن أكل ، زاد جماعة : أو عطس .

الرابع : أنه إذا طال بقاؤه عرفا لا وقت صلاة أو يوما وليلة ; وهو يعقل ، لأنها تقتضي حياة مستقرة ، وظاهر " الخرقي " أنه لا يشترط لغسله والصلاة عليه طول الفصل ، بل لو مات عقب الحمل وفيه رمق ، فإنه يغسل ويصلى [ ص: 238 ] عليه ، وأورده المجد مذهبا ، ونقل جماعة : إنما يترك غسل من قتل في المعركة .

( ومن قتل مظلوما فهل يلحق بالشهيد ؛ على روايتين ) إحداهما : يلحق به ، قدمه في " المحرر " ، وجزم به في " الوجيز " ، وصححه في " الفروع " فعليها لا يغسل ، ولا يصلى عليه ، كشهيد المعركة ، والثانية : لا ; لأن عمر ، وعثمان ، وعليا ، والحسين قتلوا ظلما ، وغسلوا ، وصلي عليهم ، ولأنه ليس بشهيد المعركة ، أشبه المبطون ، وعلى الأولى : من بغي عليه لا يغسل ، وفي الصلاة عليه وجهان ، والمذهب : أن كل شهيد غسل صلي عليه وجوبا ، ومن لا يغسل لا يصلى عليه .

تذنيب : يغسل الباغي ويصلى عليه ، اختاره الخرقي والقاضي ، وفيه وجه : يلحق بشهيد أهل العدل ، للمشقة ; لأنه لم ينقل غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين ، وقال ابن تميم : من قتله المسلمون أو الكفار خطأ غسل ، رواية واحدة ، وكذا النفساء تغسل ، ويصلى عليها كالشهيد بغير قتل ، كحريق وغرق وهدم ، وهم بضعة عشر ، ومن أغربها ما رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، والدارقطني وصححه عن ابن عباس مرفوعا موت الغريب شهادة ، وأغرب منه ما ذكره أبو المعالي ، وابن المنجا ، وبعض الشافعية : أن العاشق منها ، وأشاروا إلى الخبر المرفوع من عشق وعف ، وكتم فمات مات شهيدا . وهذا الخبر مذكور في ترجمة سويد بن سعيد فيما أنكر عليه ، قاله ابن عدي ، والبيهقي .

[ ص: 239 ] مسألة : قاطع الطريق يقتل أولا ويغسل ويصلى عليه ثم يصلب ، وقيل : يؤخران عن الصلب ، قاله في " التلخيص " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث