الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استعمال الأدلة العقلية في الأصول مرتبط مع الأدلة النقلية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم ; فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية ، أو معينة في طريقها ، أو محققة لمناطها أو ما أشبه ذلك ، لا مستقلة بالدلالة ; لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي ، والعقل ليس بشارع ، وهذا مبين في علم الكلام ، فإذا كان كذلك ; فالمعتمد بالقصد الأول الأدلة الشرعية ، ووجود القطع فيها - على الاستعمال المشهور - معدوم أو في غاية الندور [ ص: 28 ] [ أعني : في آحاد الأدلة ] ; فإنها إن كانت من أخبار الآحاد ; فعدم إفادتها القطع ظاهر ، وإن كانت متواترة ; فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها أو غالبها ظني ، والموقوف على الظني لا بد أن يكون ظنيا ; فإنها تتوقف على نقل اللغات وآراء النحو ، وعدم الاشتراك ، وعدم المجاز ، والنقل الشرعي أو العادي ، والإضمار ، والتخصيص للعموم ، والتقييد للمطلق ، وعدم الناسخ ، والتقديم والتأخير ، والمعارض العقلي ، وإفادة القطع مع اعتبار هذه الأمور متعذر ، وقد اعتصم من قال بوجودها بأنها ظنية في أنفسها ، لكن إذا اقترنت بها قرائن مشاهدة أو منقولة ; فقد تفيد اليقين ، وهذا كله نادر أو متعذر .

وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع ; فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق ، ولأجله أفاد التواتر القطع ، وهذا نوع منه ، فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم ؛ فهو الدليل المطلوب ، وهو شبيه بالتواتر المعنوي ، بل هو كالعلم [ ص: 29 ] بشجاعة علي - رضي الله عنه - وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما .

ومن هذا الطريق ثبت وجوب القواعد الخمس ، كالصلاة ، والزكاة ، وغيرهما ، قطعا ، وإلا فلو استدل مستدل على وجوب الصلاة بقوله تعالى : أقيموا الصلاة أو ما أشبه ذلك لكان في الاستدلال بمجرده نظر من أوجه ، لكن حف بذلك من الأدلة الخارجية والأحكام المترتبة ما صار به فرض الصلاة ضروريا في الدين ، لا يشك فيه إلا شاك في أصل الدين .

ومن هاهنا اعتمد الناس في الدلالة على وجوب مثل هذا على دلالة الإجماع ; لأنه قطعي وقاطع لهذه الشواغب .

وإذا تأملت أدلة كون الإجماع حجة أو خبر الواحد أو القياس حجة ، فهو راجع إلى هذا المساق ; لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر ، [ ص: 30 ] وهي مع ذلك مختلفة المساق ، لا ترجع إلى باب واحد ; إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه ، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا ، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع ; فكذلك الأمر في مآخذ الأدلة في هذا الكتاب وهي مآخذ الأصول ; إلا أن المتقدمين من الأصوليين ربما تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه ، فحصل إغفاله من بعض المتأخرين ; فاستشكل الاستدلال بالآيات على حدتها ، وبالأحاديث على انفرادها ; إذ لم يأخذها مأخذ الاجتماع ، فكر عليها بالاعتراض نصا نصا ، واستضعف الاستدلال بها على قواعد الأصول المراد منها القطع ، وهي إذا أخذت على هذا السبيل غير مشكلة ، ولو أخذت أدلة الشريعة على الكليات والجزئيات مأخذ هذا المعترض ; لم يحصل لنا قطع بحكم شرعي ألبتة ; إلا أن نشرك العقل ، والعقل إنما ينظر من وراء الشرع ; فلا بد من هذا الانتظام [ ص: 31 ] في تحقيق الأدلة الأصولية .

فقد اتفقت الأمة ، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس - وهي : الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال ، والعقل ، وعلمها عند الأمة كالضروري ، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين ، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه ، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد ، ولو استندت إلى شيء معين لوجب عادة تعيينه ، وأن يرجع أهل الإجماع إليه ، وليس كذلك ; لأن كل واحد منها بانفراده ظني ، ولأنه كما لا يتعين في التواتر المعنوي أو غيره أن يكون المفيد للعلم خبر واحد دون سائر الأخبار ، كذلك لا يتعين هنا ؛ لاستواء جميع الأدلة في إفادة الظن على فرض الانفراد ، وإن كان الظن يختلف باختلاف أحوال الناقلين ، وأحوال دلالات المنقولات ، وأحوال الناظرين في قوة الإدراك وضعفه ، وكثرة البحث وقلته إلى غير ذلك .

فنحن إذا نظرنا في الصلاة ; فجاء فيها : أقيموا الصلاة على وجوه ، وجاء مدح المتصفين بإقامتها ، وذم التاركين لها ، وإجبار المكلفين على فعلها وإقامتها قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، وقتال من تركها أو عاند في تركها ، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى ، وكذلك النفس : نهي عن قتلها ، وجعل قتلها موجبا للقصاص متوعدا عليه ، ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك [ ص: 32 ] كما كانت الصلاة مقرونة بالإيمان ، ووجب سد رمق المضطر ، ووجبت الزكاة والمواساة والقيام على من لا يقدر على إصلاح نفسه ، وأقيمت الحكام والقضاة والملوك لذلك ، ورتبت الأجناد لقتال من رام قتل النفس ، ووجب على الخائف من الموت سد رمقه بكل حلال وحرام من الميتة والدم ولحم الخنزير ، إلى سائر ما ينضاف لهذا [ المعنى ] - علمنا يقينا وجوب الصلاة وتحريم القتل ، وهكذا سائر الأدلة في قواعد الشريعة .

وبهذا امتازت الأصول من الفروع ; إذ كانت الفروع مستندة إلى آحاد الأدلة وإلى مآخذ معينة ، فبقيت على أصلها من الاستناد إلى الظن ، بخلاف الأصول ; فإنها مأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق ، لا من آحادها على الخصوص .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث