الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 258 ] فصل وأما غلط من غلط من أرباب السلوك والإرادة في هذا الباب فحيث ظنوا أن شهود الحقيقة الكونية ، والفناء في توحيد الربوبية ، من مقامات العارفين ، بل أجل مقاماتهم ، فساروا شائمين لبرق هذا الشهود ، سالكين لأودية الفناء فيه ، وحثهم على هذا السير ، ورغبهم فيه ما شهدوه من حال أرباب الفرق الطبعي فأنفوا من صحبتهم في الطريق ، ورأوا مفارقتهم فرض عين لا بد منه ، فلما عرض لهم الفرق الشرعي في طريقهم ، ورد عليهم منه أعظم وارد فرق جمعيتهم ، وقسم وحدة عزيمتهم ، وحال بينهم وبين عين الجمع ، الذي هو نهاية منازل سيرهم ، فافترقت طرقهم في هذا الوارد العظيم .

فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه ، وقال : الاشتغال بالأوراد عن عين المورود انقطاع عن الغاية ، والقصد من الأوراد الجمعية على الآخر ، فما الاشتغال عن المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه ، والرجوع من حضرته إلى منازل السفر إليه ؟ وربما أنشد بعضهم :


يطالب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلب كل أوقاته ورد

فإذا اضطر أحدهم إلى التفرقة بوارد الأمر ، قال : ينبغي أن يكون الفرق على اللسان موجودا ، والجمع في القلب مشهودا .

ثم من هؤلاء من يسقط الأوامر والنواهي جملة ، ويرى القيام بها من باب ضبط ناموس الشرع ، ومصلحة العموم ، ومبادئ السير ، فهي التي تحث أهل الغفلة على التشمير للسير ، فإذا جد في المسير استغنى بقربه وجمعيته عنها .

ومنهم من لا يرى سقوطها إلا عمن شهد الحقيقة الكونية ، ووصل إلى مقام الفناء فيها ، فمن كان هذا مشهده سقط عنه الأمر والنهي عندهم .

وقد يقولون : شهود الإرادة يسقط الأمر ، وفي هذا المشهد يقولون : العارف لا يستقبح قبيحة ، ولا يستحسن حسنة .

ويقول قائلهم : العارف لا ينكر منكرا ، لاستبصاره بسر الله في القدر .

ويقولون : القيام بالعبادة مقام التلبيس ، ويحتجون بقوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون .

[ ص: 259 ] وهذا من أقبح الجهل ، فإن هذا داخل في جواب لو التي ينتفي بها الملزوم - وهو المقدم - لانتفاء اللازم ، وهو الجواب ، وهو التالي ، فانتفاء جعل الرسول ملكا - كما اقترحوه - لانتفاء التلبيس من الله عليهم ، والكفار كانوا قد قالوا لولا أنزل عليه ملك أي نعاينه ونراه ، وإلا فالملك لم يزل يأتيه من عند الله بأمره ونهيه ، فهم اقترحوا نزول ملك يعاينونه ، فأخبر سبحانه عن الحكمة التي لأجلها لم يجعل رسوله إليهم من الملائكة ، ولا أنزل ملكا يرونه ، فقال ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون أي لوجب العذاب وفرغ من الأمر ، ثم لا يمهلون إن أقاموا على التكذيب .

وهذا نظير قوله في سورة الحجر وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين قال الله عز وجل ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين والحق هاهنا العذاب ، ثم قال ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا أي لو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة آدمي ، إذ لا يستطيعون التلقي عن الملك في صورته التي هو عليها ، وحينئذ فيقع اللبس منا عليهم ، لأنهم لا يدرون أرجل هو ، أم ملك ؟ ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم ، وشبهنا عليهم الذي طلبوه بغيره .

وقوله : ما يلبسون ، فيه قولان :

أحدهما : أنه جزاء لهم على لبسهم على ضعفائهم ، والمعنى أنهم شبهوا على ضعفائهم ، ولبسوا عليهم الحق بالباطل ، فشبه عليهم ، وتلبس عليهم الملك بالرجل .

والثاني : أنا نلبس عليهم ما لبسوا على أنفسهم ، وأنهم خلطوا على أنفسهم ، ولم يؤمنوا بالرسول منهم ، بعد معرفتهم صدقه ، وطلبوا رسولا ملكيا يعاينونه ، وهذا تلبيس منهم على أنفسهم ، فلو أجبناهم إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده ، وللبسنا عليهم لبسهم على أنفسهم .

وأي تعلق لهذا بالتلبيس الذي ذكرته هذه الطائفة من تعليق الكائنات والمثوبات والعقوبات بالأسباب ، وتعليق المعارف بالوسائط ، والقضايا بالحجج ، والأحكام والعلل ، والانتقام بالجنايات ، والمثوبات بالطاعات ، مما هو محض الحكمة وموجبها .

[ ص: 260 ] وأثر اسمه الحكيم في الخلق والأمر إنما قام بالأسباب ، وكذلك الدنيا والآخرة ، وكذلك الثواب والعقاب ، فجعل الأسباب منصوبة للتلبيس من أعظم الباطل شرعا وقدرا .

وإن الذي أوقع هؤلاء في هذا الغلو هو نفرتهم من أرباب الفرق الأول ، ومشاهدتهم قبح ما هم عليه .

وهم - لعمر الله - خير منهم ، مع ما هم عليه ، فإنهم مقرون بالجمع والفرق ، وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه فرق بين المأمور والمحظور ، والمحبوب والمكروه ، وإن كانوا كثيرا ما يفرقون بأهوائهم ونفوسهم ، فهم في فرقهم النفسي خير من أهل هذا الجمع ، إذ هم مقرون أن الله يأمر بالحسنات ويحبها ، وينهى عن السيئات ويبغضها ، وإذا فرقوا بحسب أهوائهم ، وفرقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرق دينا يسقط عنهم أمر الله ونهيه ، بل يعترفون أنه ذنب قبيح ، وأنهم مقصرون ، بل مفرطون في الفرق الشرعي ، ونهاية ما معهم صحة إيمان مع غفلة وفرق نفساني ، وأولئك معهم جمع ، وشهود يصحبه فساد إيمان ، وخروج عن الدين .

ومن العجب أنهم فروا من فرق أولئك النفسي إلى جمع أسقط التفرقة الشرعية ، ثم آل أمرهم إلى أن صار فرقهم كله نفسيا ، فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ، ولا بد ، فإن الفرق أمر ضروري للإنسان ولا بد ، فمن لم يفرق بالشرع فرق بالنفس والهوى ، فهم أعظم الناس اتباعا لأهوائهم ، يميلون مع الهوى حيث مال بهم ويزعمون أنه الحقيقة .

وبالجملة فلهذا السلوك لوازم عظيمة البطلان ، منافية للإيمان ، جالبة للخسران أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وآخر أمر صاحبه الفناء في شهود الحقيقة العامة المشتركة بين الأبرار والفجار وبين الملائكة والشياطين ، وبين الرسل وأعدائهم ، وهي الحقيقة الكونية القدرية ، ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثاني - وهو الحقيقة الدينية النبوية - فهو زنديق كافر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث