الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة كان الحالف كافرا

المسألة الثالثة والعشرون : قوله : { بالله }

وهذا نص من كتاب الله في ترك التغليظ بالألفاظ .

والذي أقول : إنه إن كان الحالف كافرا كما تقدم في سرد الأقوال والروايات ، وقلنا بالتغليظ فلا يقال له في التغليظ قل : بالله الذي لا إله إلا هو ; لأنهم لا يقرون بها . وعلى إقرارهم على هذا الإنكار بذلوا الجزية ، ولكنهم يحلفون ، كما روى أبو داود وغيره { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى } ، وتغلظ عليهم بالمكان في كنائسهم وبالزمان بعد صلاتهم ، كما تقدم [ ص: 245 ] ذكره في قصة دقوقاء ; فإن الغرض من هذا التغليظ كله زجر الحالف عن الباطل ، والرجوع إلى الحق ، ورهبته بما يحل من ذلك ، حتى يكون ذلك داعية للانكفاف عن الباطل والرجوع إلى الحق ، وهو معنى : { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها } .

وقد حققنا هذا الغرض ، فقلنا : إن الله سبحانه ما غلظ في كتابه يمينا ، إنما قال : فيقسمان بالله . وقال تعالى : { قل إي وربي إنه لحق } . وقال مخبرا عن خليله : { وتالله لأكيدن أصنامكم } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت } .

ولكن قد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو لتعلمن أني رسول الله حقا } .

وروى النسائي وأبو داود أن { خصمين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي : البينة . قال : يا رسول الله ، ليس لي بينة . فقال للآخر : احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك شيء ، أو ما له عندك شيء } .

وتغليظ العدد في اللعان ، وهو التكرار ، وفي القسامة مثله .

وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويؤثر أصحابه ذلك عن ابن عباس ، ولم يصح .

وأما التغليظ بالحال فروي عن مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائما مستقبل القبلة .

وروى ابن كنانة عن مالك : يحلف جالسا .

والذي عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن قائما فقائما ، وإن جالسا فجالسا ; إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار قيام أو جلوس . [ ص: 246 ]

وتغليظ المكان كما قلنا في مسائل الخلاف

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من حلف على منبري بيمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار } .

فقيل : أراد أن يبين الحال ; لأنه مقطع الحقوق . وقيل : أراد أن يخبر عن قوم عاهدوا وحلفوا على المنبر للناس ثم غدروا .

وروي أن عبد الرحمن بن عوف رأى رجلا يحلف بين الركن والمقام فقال : أعلى دم أو على مال عظيم ؟ فدل ذلك على أنه عندهم من المستقر في الشرع ألا يحلف هنالك إلا على ما وصف ، فكل مال تقطع فيه اليد ، وتسقط فيه حرمة العضو فهو عظيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث