الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


28 - الحديث الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة ، وهو جنب ، قال : فانخنست منه ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جئت ، فقال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : كنت جنبا ، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة ، فقال : سبحان الله ، إن المؤمن لا ينجس } .

التالي السابق


" الجنابة " دالة على معنى البعد ، ومنه قوله تعالى : { والجار الجنب } وعن الشافعي أنه قال : إنما سمي " جنبا " من المخالطة ، ومن كلام العرب : أجنب الرجل ، إذا خالط امرأته ، قال بعضهم : وكأن هذا ضد للمعنى الأول ، كأنه من القرب منها ، وهذا لا يلزم ، فإن مخالطتها مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد ، على ما قدمناه ، وقول أبي هريرة " فانخنست منه " الانخناس : الانقباض والرجوع ، وما قارب ذلك من المعنى ، يقال " خنس " لازما ومتعديا ، فمن اللازم : ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان { فإذا ذكر الله خنس } ومن المتعدي : ما جاء في الحديث { وخنس إبهامه } أي قبضها ، وقيل : إنه يقال " أخنسه " في المتعدي ، ذكره صاحب مجمع البحرين وقد روي في هذه اللفظة { فانبجست منه } بالجيم ، من الانبجاس ، وهو الاندفاع ، أي اندفعت عنه ، ويؤيده : قوله في [ ص: 130 ] حديث آخر { فانسللت منه } وروي في هذه اللفظة أيضا { فانبخست منه } من البخس ، وهو النقص ، وقد استبعدت هذه الرواية ، ووجهت - على بعدها - بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مصاحبته ، مع اعتقاده نجاسة نفسه ، هذا أو معناه ، وقوله " كنت جنبا " أي كنت ذا جنابة ، وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع ، بلفظ واحد ، قال الله تعالى في الجمع : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } وقال بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إني كنت جنبا " وقد يقال : جنبان ، وجنبون ، وأجناب ، وقوله " فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة " يقتضي استحباب الطهارة في ملابسة الأمور العظيمة ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد ذلك ; لأن الطهارة لم تزل ، بقوله " إن المؤمن لا ينجس " لا ردا لما دل عليه لفظ أبي هريرة من استحباب الطهارة لملابسته صلى الله عليه وسلم وفي هذا نظر ، وقوله " سبحان الله ، " تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجس بالجنابة ، وقوله " إن المؤمن لا ينجس " يقال : نجس ونجس ، ينجس - بالفتح والضم .



وقد استدل بالحديث على طهارة الميت من بني آدم ، وهي مسألة مختلف فيها ، والحديث دل بمنطوقه على أن المؤمن لا ينجس ، فمنهم من خص هذه الفضيلة بالمؤمن ، والمشهور التعميم ، وبعض الظاهرية : يرى أن المشرك نجس في حال حياته أخذا بظاهر قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } ويقال للشيء : إنه " نجس " بمعنى أن عينه نجسة ، ويقال فيه : إنه " نجس " بمعنى أنه متنجس بإصابة النجاسة له ، ويجب أن يحمل على المعنى الأول ، وهو أن عينه لا تصير نجسة ; لأنه يمكن أن يتنجس بإصابة النجاسة ، فلا ينفي ذلك ، وقد اختلف الفقهاء في أن الثوب إذا أصابته نجاسة : هل يكون نجسا أم لا ؟ فمنهم من ذهب إلى أنه نجس ، وأن اتصال النجس بالطاهر موجب لنجاسة الطاهر ، ومنهم من ذهب إلى أن الثوب طاهر في نفسه ، وإنما يمتنع استصحابه في [ ص: 131 ] الصلاة بمجاورة النجاسة ، فلهذا القائل أن يقول : دل الحديث على أن المؤمن لا ينجس ، ومقتضاه : أن بدنه لا يتصف بالنجاسة ، وهذا يدخل تحته حالة ملابسة النجاسة له ، فيكون طاهرا ، وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب ; لأنه لا قائل بالفرق ، أو يقول : البدن إذا أصابته النجاسة : من مواضع النزاع ، وقد دل الحديث على أنه غير نجس ، وعلى ما قدمناه - من أن الواجب حمله على نجاسة العين - يحصل الجواب عن هذا الكلام ، وقد يدعى أن قولنا " الشيء نجس " حقيقة في نجاسة العين ، فيبقى ظاهر الحديث دالا على أن عين المؤمن لا تنجس ، فتخرج عنه حالة النجس التي هي محل الخلاف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث