الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 254 ] 73 - باب

الصف الأول

720 - حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الشهداء : الغرق ، والمطعون ، والمبطون ، والهدم ) .

688 721 - وقال : ( لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ، ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا ) .

التالي السابق


قد سبق هذا الحديث في ( باب : الاستهام في الأذان ) وفي ( باب : فضل التهجير إلى الظهر ) ، وذكرنا معنى الاستهام على الصف .

وقد روي للصف الأول فضائل عديدة :

فمنها : أنه على مثل صف الملائكة .

خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال - في حديث ذكره - : ( والصف الأول على مثل صف الملائكة ، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه ) .

ومنها : أنه خير صفوف الرجال .

ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها ) .

[ ص: 255 ] ومنها : أن الله وملائكته يصلون عليه .

فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول ) .

وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ( على الصف الأول ) .

وخرجه - أيضا - بهذا اللفظ من حديث عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والصواب : إرسال إسناده ، قاله أبو حاتم والدارقطني .

وخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن حديث أبي أمامة ، وفي حديثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاثا ، فقيل له : يا رسول الله ، والثاني ؟ فقال - في الثالثة - : ( وعلى الثاني ) .

ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له ثلاثا دون ما بعده .

فخرج ابن ماجه من حديث العرباض بن سارية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للصف المقدم ثلاثا ، وللثاني مرة .

وخرجه النسائي ، وعنده : ( يصلي ) مكان : ( يستغفر ) .

[ ص: 256 ] ومنها : أنه أحصن الصفوف من الشيطان .

فروى قتادة ، عن أبي قلابة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( أي شجرة أبعد من الخارف والخاذف ؟ ) قالوا : فرعها ، قال : ( فكذلك الصف المقدم ، هو أحصنها من الشيطان ) .

ورواه جماعة ، فقالوا : عن قتادة ، عن أنس .

والصواب : عن أبي قلابة ، قاله الدارقطني وغيره ، وأنكر أبو زرعة وصله .

وروي نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعا بإسناد ضعيف .

ومنها : أن الصلاة فيه تقتضي التقدم إلى الله ، فإن التأخر عنه يقتضي التأخر .

ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى في أصحابه تأخرا ، فقال : ( تقدموا ، فائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل ) .

وخرج أبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا يزال أقوام يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار ) .

واختلف الناس في الصف الأول : هل هو الذي يلي الإمام بكل حال ، أم الذي لا يقطعه شيء ؟ وفيه قولان للعلماء .

[ ص: 257 ] والمنصوص عن أحمد : أن الصف الأول هو الذي يلي المقصورة ، وأن ما تقطعه المقصورة فليس هو الأول ، نقله عنه المروذي وأبو طالب وأحمد بن القاسم وغيرهم .

وقال أبو طالب : سئل أحمد عن الصلاة في المقصورة ، قال : لا يصلي فيها ، هو الذي يلي المقصورة ، فيخرج من المقصورة فيصلي في الصف الأول .

وروى وكيع عن عيسى الحناط ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج إلى المسجد .

وعن شعبة ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، قال : كان أصحاب عبد الله - يعني : ابن مسعود - يقولون : الصف الأول الذي يلي المقصورة .

وروي ذلك عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود .

وقال الشعبي : المقصورة ليست من المسجد .

ذكر ذلك كله وكيع في ( كتابه ) .

فأما الصف الذي يقطعه المنبر ، فهل هو الصف الأول ، أم لا ؟

قال أحمد - في رواية أبي طالب والمروذي وغيرهما - : إن المنبر لا يقطع الصف ، فيكون الصف الأول الذي يلي الإمام وإن قطعه المنبر ، بخلاف المقصورة .

وتوقف في ذلك في رواية الأثرم وغيره .

وقالت طائفة : الصف الأول هو الذي يلي الإمام بكل حال ، ورجحه كثير من أصحابنا ، ولم أقف على نص لأحمد به .

وقال آخرون : الصف الأول المراد به أول من يدخل المسجد للصلاة فيه .

قال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، [ ص: 258 ] وإن لم يصل في الصف الأول ، أفضل ممن تأخر ثم تخطى الصفوف إلى الصف الأول .

قال : وفي هذا ما يوضح أن معنى فضل الصف الأول : أنه ورد من أجل البكور إليه ، والتقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم . انتهى .

وحمل أحاديث فضل الصف الأول على البكور إلى المسجد خاصة لا يصح ، ومن تأمل الأحاديث علم أن المراد بالصف الأول الصف المقدم في المسجد ، لا تحتمل غير ذلك .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتموا الصف المقدم ، ثم الذي يليه ، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث