الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                فيه حديثان :

                                الأول :

                                739 773 - حدثنا مسدد ، ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر - هو : جعفر بن أبي وحشية - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فانصرف الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة - عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فأنزل الله على نبيه : قل أوحي إلي وإنما أوحي إليه قول الجن .

                                [ ص: 461 ]

                                التالي السابق


                                [ ص: 461 ] هذه القصة كانت في أول البعثة .

                                وهذا الحديث مما أرسله ابن عباس ، ولم يسم من حدثه به من الصحابة ، ويحتمل أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن نفسه ، والله أعلم .

                                وسوق عكاظ نحو نخلة ، كان يجتمع فيه العرب ، ولهم فيه سوق ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إليهم ، فيدعوهم إلى الله عز وجل ، وقد كانت الشهب يرمى بها في الجاهلية ، وإنما كثرت عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم .

                                وقد قال السدي وغيره : إن السماء لم تحرس إلا حيث كان في الأرض نبي أو دين لله ظاهر .

                                والمقصود من هذا الحديث هاهنا : أن الشياطين لما مروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح ، وقفوا واستمعوا القرآن ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في صلاة الصبح ، فلما سمعوا عرفوا أنه هو الذي حال بينهم وبين خبر السماء .

                                وظاهر هذا السياق يقتضي أن الشياطين آمنوا بالقرآن ، وكذا قال السدي وغيره .

                                وقد اختلف في الجن والشياطين : هل هم جنس واحد ، أو لا ؟

                                فقالت طائفة : الجن كلهم ولد إبليس ، كما أن الإنس كلهم ولد آدم .

                                روي هذا عن ابن عباس من وجه فيه نظر ، وأنهم لا يدخلون الجنة .

                                وروي أيضا عن الحسن ، وأنه قال : مؤمنهم ولي لله له الثواب ، ومشركهم شيطان له العقاب .

                                وقالت طائفة : بل الشياطين ولد إبليس ، وهم كفار ، ولا يموتون إلا مع [ ص: 462 ] إبليس ، والجن ولد الجان ، وليسوا شياطين ، وهم يموتون ، وفيهم المؤمن والكافر .

                                روي هذا عن ابن عباس بإسناد فيه نظر أيضا .

                                وقوله : ( وإنما أوحي إليه قول الجن ) يشير ابن عباس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير الجن ، ولا قرأ عليهم ، وإنما أوحي إليه استماعهم القرآن منه وإيمانهم به .

                                وقد روي ذلك صريحا عنه ، أنه قال في أول هذا الحديث : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، ثم ذكر هذا الحديث .



                                الخدمات العلمية