الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 303 ] 84 - باب

رفع اليدين إذا كبر ، وإذا ركع ، وإذا رفع

فيه حديثان :

أحدهما :

قال :

703 736 - حدثنا محمد بن مقاتل ، ثنا عبد الله ، أنا يونس ، عن الزهري ، أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ، ويقول : ( سمع الله لمن حمده ) ، ولا يفعل ذلك في السجود .

الثاني :

قال :

704 737 - حدثنا إسحاق الواسطي ، ثنا خالد بن عبد الله ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه ، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع هكذا .

التالي السابق


لم يخرج البخاري في ( صحيحه ) في رفع اليدين غير حديث ابن عمر وحديث مالك بن الحويرث ، وقد أفرد للرفع كتابا ، خرج فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة ، وكذلك صنف في الرفع غير واحد من أئمة أهل [ ص: 304 ] الحديث ، منهم : النسائي ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما .

وسبب اعتنائهم بذلك : أن جميع أمصار المسلمين ، كالحجاز واليمن ومصر والعراق كان عامة أهلها يرون رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع والرفع منه ، سوى أهل الكوفة ، فكانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة ، إلا في افتتاح الصلاة خاصة ، فاعتنى علماء الأمصار بهذه المسألة ، والاحتجاج لها ، والرد على من خالفها .

قال الأوزاعي : ما اجتمع عليه علماء أهل الحجاز والشام والبصرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة ، وحين يكبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، إلا أهل الكوفة ، فإنهم خالفوا في ذلك أئمتهم .

خرجه ابن جرير وغيره .

وقال البخاري في ( كتابه في رفع اليدين ) بعد أن روى الآثار في المسألة : فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي .

وقال محمد بن نصر المروزي : لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه ، إلا أهل الكوفة .

وروى البيهقي بإسناده عن الأوزاعي ، أنه تناظر هو والثوري في هذه المسألة بمكة ، وغضب واشتد غضبه ، وقال للثوري : قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق ، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد ، رضي الله عنهما .

وحديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر مما اتفق العلماء كلهم على [ ص: 305 ] صحته وتلقيه بالقبول ، وعليه اعتمد أئمة الإسلام في هذه المسألة ، منهم : الأوزاعي وابن المبارك ، وقال : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

كذلك قال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .

وأما مالك ، فإنه خرجه في ( كتاب الموطأ ) في ( باب : افتتاح الصلاة ) ، وذكر عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يعمل به .

وقد روى عامة أصحاب مالك ، أنه كان يعمل به ، منهم : ابن وهب وأبو مصعب وأشهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم .

وإنما روى عنه الرفع عند افتتاح الصلاة خاصة ابن القاسم ، قال : وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا ، وقال : إن كان ففي الإحرام .

قال محمد بن الحكم : لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم .

وذكر ابن عبد البر ، عن أحمد بن خالد - وهو : ابن الجباب ، وكان أعلم أهل الأندلس بالفقه والحديث في وقته - ، قال : كان جماعة من أصحابنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ، ورواية من روى ذلك عن مالك وجماعة لا يرفعون ، على رواية ابن القاسم ، ولا يعيب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء .

قلت : افترق الناس في هذه المسألة فرقا ثلاثة .

ففرقة منهم : تنكر على من يرفع أو تبدعه ، وهؤلاء عامة فقهاء أهل الكوفة ، حتى غالى بعضهم فجعله مبطلا للصلاة ، وادعى بعضهم أن الرفع نسخ .

[ ص: 306 ] وقد وافقهم بعض المتقدمين من أهل الشام ، حتى ضرب من رفع يديه في صلاته في زمن عمر بن عبد العزيز وغضب عمر من ذلك وأنكره على من فعله وحجبه عنه .

وفرقة : لا ينكرون على واحد من الفريقين ، ويعدون ذلك من مسائل الخلاف السائغ ، ثم منهم من يميل إلى الرفع ، ومنهم من يميل إلى تركه ، ومنهم : سفيان الثوري .

وقد روى ابن أبي شيبة في ( كتابه ) عن طائفة كثيرة من الصحابة والتابعين ، أنهم لم يرفعوا أيديهم إلا عند الافتتاح ، منهم عمر وابن عمر .

وهي رواية مجاهد عنه ، وقد ضعفها الإمام أحمد والبخاري والدارقطني وغيرهم .

ومنهم : علي وابن مسعود وأصحابهما .

وقد روي ذلك عن علي وابن مسعود مرفوعا ، وضعف المرفوع عامة أئمة الحديث قديما وحديثا .

وأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عند الركوع ، والرفع منه - أيضا - حتى قال قتادة ، عن الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتهم كأن أيديهم المراوح ، إذا ركعوا وإذا رفعوا رءوسهم .

وقال عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن رفع [ ص: 307 ] اليدين في الصلاة ، فقال : هو شيء يزين به الرجل صلاته ؛ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم في الافتتاح ، وعند الركوع ، وإذا رفعوا رؤوسهم .

وهو قول عامة التابعين .

وقال عمر بن عبد العزيز : إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا .

وقول عامة فقهاء الأمصار .

وكان الإمام أحمد لا يبالغ في الإنكار على المخالف في هذه المسألة :

روى عنه المروذي وغيره ، أنه سئل عمن ترك الرفع يقال : إنه تارك للسنة ؟ قال : لا تقل هكذا ، ولكن قل : راغب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

ونقل عنه الميموني ، قال : الرفع عندنا أكثر وأثبت ، فإن تأول رجل ، فما أصنع ؟

وسئل الإمام أحمد ، فقيل له : إن عندنا قوما يأمروننا برفع اليدين في الصلاة ، وقوما ينهوننا عنه ؟ فقال : لا ينهاك إلا مبتدع ، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع .

فلم يبدع إلا من نهى عن الرفع وجعله مكروها ، فأما المتأول في تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه .

وقد حمل القاضي أبو يعلى قول أحمد : إنه مبتدع ، على من ترك الرفع عند تكبيرة الإحرام ، وهو بعيد .

ونقل جماعة عن أحمد في تارك الرفع ، أنه يقال : إنه تارك السنة .

قال القاضي أبو يعلى : إنما توقف في ذلك في رواية المروذي متابعة للفظ المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( من رغب عن سنتي فليس مني ) ، وإلا ففي [ ص: 308 ] الحقيقة : الراغب عن الرفع هو التارك له .

ونقل حرب ، عن أحمد ، قال : أنا أصلي خلف من لا يرفع يديه ، والرفع أحب إلي وأصح .

وكلام البخاري في ( كتاب رفع اليدين ) له إنما يدل على الإنكار على من أنكر الرفع ، وقال : هو بدعة ، أيضا .

وخرج مسلم في ( صحيحه ) في الرفع عند الركوع والرفع منه حديث ابن عمر ومالك بن الحويرث ، أيضا .

وخرجه - أيضا - من حديث وائل بن حجر .

وخرجه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ، ومن حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة ، منهم : أبو قتادة .

وخرجه ابن ماجه - أيضا .

وخرجه أبو داود - أيضا - من حديث أبي هريرة .

وخرجه ابن ماجه من حديث أنس وجابر وابن عباس .

وقد روي من وجوه أخر ، حتى قال بعضهم : رواه قريب من ثلاثين نفسا من الصحابة .

[ ص: 309 ] وقال غيره : رواه نيف وثلاثون من الصحابة .

وقال الحاكم : رواه العشرة المشهود لهم بالجنة .

وفي هذه العبارات تسامح شديد ، وقد ذكرت هذه الأحاديث وطرقها وعللها في ( كتاب شرح الترمذي ) بحمد الله ومنه .

وأحسن من ذلك قول الشافعي : رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر غير ابن عمر .

وهذه عبارة صحيحة حسنة مليحة .

وكذا قال ابن عبد البر وغيره من الحفاظ .

وذكر الترمذي في ( جامعه ) له أربعة عشر راويا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ولم يوجب الرفع عند الركوع والرفع منه ، ويبطل الصلاة بتركه ، إلا شذوذ من الناس من أصحاب داود ونحوهم .

وسئل حماد بن زيد ، عن معنى رفع اليدين في الصلاة ؟ فقال : هو من إجلال الله .

خرجه أبو موسى المديني .

وقال الشافعي : فعلته إعظاما لجلال الله ، واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجاء لثواب الله .

خرجه البيهقي في ( مناقبه ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث