الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني الحقوق الشخصية والاجتماعية للأفراد في الشريعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الباب الثاني

الحقوق الشخصية والاجتماعية للأفراد

في الشريعة

لعل من أبرز ما أكدته النصوص الشرعية من حقوق للإنسان، الحقوق التي تتعلق بشخصه، وبعيشه في المجتمع، حيث قرر الإسلام للإنسان من الجانب الإيجابي حقوقا اجتماعية، تكفلها الدولة لرعاية شئونه وتأمين الحياة والعيش الكريم له، كما أكد الإسلام من جانب آخر، على صيانة وحماية شخص الإنسان، بتحريم التجسس، والاعتداء عليه، وظلمه وإيذائه بغير وجه حق، إضافة إلى التشريعات الأخلاقية، التي تضمن حفظ هـذه الحقوق، كمنع الغيبة والحسد، والكبر، والاحتقار للإنسان، والحث على مكارم الأخلاق.

لقد أوجبت الأدلة الشرعية تأمين حقوق الإنسان، بجعل الدولة مسئولة تجاه الرعية، كما أوجبت على الدولة رعاية شئون كافة من يحمل تابعية الدولة، وحمايتهم، وحفظ حقوقهم، والعدل بينهم، من مسلمين وذميين، وحرمت على الدولة الحيف بين أفراد الرعية، بسبب الدين، أو الطائفة، أو الجنس، أو اللون، أو غير ذلك. فالإسلام لم ينصب الدولة لحفظ الحريات، كما في النظام الرأسمالي، أو للحكم نيابة عن طبقة معينة، كما في الأنظمة الماركسية، إنما نصبها لإقامة أحكام الشرع. ويقتضي ذلك مسئولية الدولة عن رعاية كافة الشئون للرعية وإيصال الحقوق لأهلها، [ ص: 46 ] ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم، من ذميين أو معاهدين، مقيمين في ديار الإسلام. كما يقتضي إقامة أحكام الشرع من قبل الدولة منع التظالم بين الرعية، ومنع ظلم الرعية، والتفريق الجائر بين أفرادها من قبل الدولة، كما يحصل في ظل الأنظمة الوضعية، من ظلم الأغنياء للفقراء، أو البيض للملونين، أو الأكثرية للأقلية.

والأدلة على ذلك عديدة في الكتاب والسنة، حيث أمر تعالى بالعدل فيقول عز وجل : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) [النساء:58]. ويقول: ( وأمرت لأعدل بينكم ) [الشورى:15]. ويقول: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) [المائدة:42]. ويقول: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) [النحل:90]. ويقول تعالى: ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هـو أقرب للتقوى ) [المائدة:8].

وهذه النصوص القاطعة في القرآن شرعت للعموم، ولم يخص بها تعالى قوما دون قوم، أو أناسا دون آخرين، حيث إن الشريعة الإسلامية هـي للناس كافة. قال عز وجل : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) [سبأ:28]. فالأمر بالعدل بالآيات السابقة، وتحريم البغي، أو الظلم، عام لجميع الخلق، مما يجعل حقوق الإنسان في المجتمع الإسلامي حقوقا شمولية لكل أفراده. كما جاء القرآن بالعديد من أحكام رعاية الشئون، من أحكام الصدقات، وتوزيع الغنائم على مستحقيها، لرعاية الشئون الاقتصادية للمحتاجين. قال عز وجل : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ) [التوبة:60]. وقال: ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) [الحشر:7]. كما شرع القرآن الكريم إقامة الحدود والقصاص، لحماية الأعراض والدماء. [ ص: 47 ] قال عز وجل : ( ولكم في القصاص حياة ) [البقرة:179]. كما أكد القرآن الكريم رعاية الشئون الشخصية، من زواج، وطلاق، إلى غير ذلك من أحكام لرعاية شئون الرعية من قبل الدولة.

وكما ثبتت إقامة العدل ورعاية الشئون بالكتاب، فقد ثبتت كذلك بالسنة القولية والفعلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حيث يقول عليه الصلاة والسلام : ( من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا ) . وربما قال: « "إلى الله ورسوله" »

[1]

والظلم محرم بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الظلم ظلمات يوم القيامة ) [2]

( وعن أبي ذر الغفاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا )

[3]

وفيما يتعلق برعاية الشئون، روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ) [4]

. وفي رواية مسلم عن نافع ( عن ابن عمر قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته )

[5]

كما نهى عليه الصلاة والسلام نهيا جازما عن غش الرعية، وعدم تفقد أحوالها ورعايتها، حيث يقول: ( ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون حاجته وخلته ومسكنته )

[6]

. [ ص: 48 ] وفي رواية البخاري عن عبد الله بن معقل بن يسار المدني : ( ما من عبد يسترعيه الله رعيته ثم يموت يوم وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة )

[7]

. ( وقال عليه الصلاة والسلام : "إن شر الرعاء الحطمة )

[8] أي الذي يشق على الرعية.

ونهى عليه الصلاة والسلام عن الحيف بين الرعية، وعلى الأخص في تولية المناصب، ( قال عليه الصلاة والسلام : "ومن ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هـو أصلح للمسلمين، فقد خان الله ورسوله ) [9]

. وفي رواية: ( ومن قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين ) [10]

ويقول ابن تيمية رحمه الله: "فإن عدل – الحاكم – عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما.. أو موافقة في بلد، أو مذهب، أو طريقة، أو جنس، كالعربية، والفارسية، والتركية والرومية، أو غير ذلك.. فقد خان الله ورسوله ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ( لا تخونوا الله والرسول ) [الأنفال:27]"

[11] ونهى عليه الصلاة والسلام عن التفريق في إقامة الحدود، حيث أقام الحد على المخزومية عندما سرقت، وقال: ( إنما ضل من كان قبلكم، إنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد ) [12] [ ص: 49 ] كما وردت النصوص بتحريم الظلم والحيف عامة، ووردت نصوص خاصة بذلك في حق غير المسلمين، حيث روى أبو داود عن النبي عليه الصلاة والسلام : ( ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيبة نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ) [13]

وكما ثبتت أحكام العدل والنهي عن الحيف ورعاية الشئون بالكتاب وبالسنة القولية، فقد ثبتت كذلك بالسنة الفعلية للنبي عليه الصلاة والسلام ، فمن المعلوم قيامه عليه الصلاة والسلام بتنفيذ أمر الله، ورعاية شئون المسلمين، سواء الدينية كإقامة الصلوات والحج، وتعليم القرآن، أو الأمور الاقتصادية، من أخذ الصدقات وتوزيع الفيء وإقطاع الأراضي، أو إقامة الحدود والقصاص، وكذلك تنظيمه لشئون المسلمين الاجتماعية والشخصية، بعد هـجرته عليه الصلاة والسلام للمدينة ، كمواخاته بين المهاجرين والأنصار ، وحمايته للرعية، نحو قتاله لليهود بعد قتلهم لرجل مسلم، وخفرهم لامرأة مسلمة، إلى غير ذلك من أحكام رعاية الشئون وإيصال الحقوق.

وقد ثبت أيضا بإجماع الصحابة، زمن الخلفاء الراشدين من بعده عليه الصلاة والسلام ، وجوب قيام الخلفاء، وولاة أمور المسلمين برعاية الشئون وإيصال الحقوق، ورفع الظلم والحيف. " روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كان يقول لعماله إذا بعثهم إلى الأمصار: "...ولكنني بعثتكم لتقيموا فيهم الصلاة، وتقسموا فيأهم، وتحكموا بينهم بالعدل" "

[14]

وروى البخاري " عن عمرو بن ميمون ، فيما ذكر عن وصية عمر رضي الله عنه عند موته، قال: "أوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، وأوصيه بالأنصار .. وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، [ ص: 50 ] وغيظ العدو، ولا يؤخذ منهم إلا فضلهم، عن رضى منهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم" "

[15] .

" وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "لا بد للناس من إمارة، برة كانت أو فاجرة". فقيل: يا أمير المؤمنين، هـذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال: "يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء" " [16]

وقد قاضى الإمام علي من نفسه عندما ادعى عليه يهودي ملكية لدرعه

[17]

وأجرى عمر مالا على رجل من أهل الذمة لفقره فيما رواه ابن عساكر والترمذي

[18]

ومن كل هـذه الأدلة من كتاب وسنة، وسيرة الصحابة، يظهر أن مسئولية الدولة عن ضمان الحقوق الإنسانية لأفراد الرعية ورعاية شئونهم، وإيصال الحقوق إليهم، ومنع التظالم بينهم، أمر لا لبس فيه ولا خفاء.

أضف إلى ذلك: تؤكد الأدلة الشرعية على تأمين حقوق الإنسان الشخصية، وحرمة ذاته، ومنع الاعتداء والتجسس عليه، حيث ( يقول عليه الصلاة والسلام : "ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام )

[19] .

( ويقول: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه )

[20] .

وجاءت الأدلة الشرعية بتحريم كل ما يؤذي إلى الاعتداء على الإنسان، أو عرضه، أو ماله، حيث حرم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم [ ص: 51 ] الاعتداء على النفس البشرية، بالقتل أو الجناية، وشرع لذلك أحكام القصاص، والديات، لردع المعتدي. قال تعالى: ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) [النساء:93]. وقال عز وجل : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) [الإسراء:33]. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث.. ) [21]

وحرم الشرع الاعتداء على الأموال. ( قال صلى الله عليه وسلم : "من اقتطع أرضا ظالما، لقى الله وهو عليه غضبان ) [22]

. ( وجاء عنه عليه الصلاة والسلام : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار )

[23]

وشرع الإسلام أحكاما زاجرة، كعقوبة للسارق والزاني وقاطع الطريق: من قطع، ورجم، وجلد، ونفي في الأرض، وصلب وغير ذلك.

أضعف إلى ذلك، أن الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام تفصيلية لضمان حرمة الفرد في المجتمع المسلم، ومن ذلك تحريم التجسس على الرعية من قبل الدولة، ومن قبل الأفراد بعضهم على بعض، ومنح حرمة للمساكن، ومنع دخولها إلا بإذن أهلها، وتحريم التعذيب المادي والمعنوي، والإيذاء والسجن بغير حكم شرعي، ونستعرض فيما يلي هـذه الأحكام بالتفصيل.

لقد بينت الشريعة أن هـناك تجسسا جائز شرعا وواجب عند الحاجة إليه، وهو ما كان على الأعداء (الكفار المحاربين) ، بهدف معرفة أخبارهم، وأحوالهم المادية والمعنوية، لخدمة أغراض الدولة الإسلامية، وليس هـو المقصود هـنا، وتجسسا حرام شرعا وهو تقصي أخبار الرعية، [ ص: 52 ] وكشف عوراتهم للإيقاع بهم، وذلك بالاستماع لأحاديثهم دون علمهم، أو النظر إلى ما هـو خفى من أسرارهم، بهدف معرفة بواطنهم، أو استشكاف ما أخفوه وستروه. وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن التجسس مطلقا بقوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ) [الحجرات:12]، كما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التجسس، فقال: ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ) [24]

. ( وقال صلى الله عليه وسلم : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته ) [25]

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التجسس من قبل الأمير على الرعية فقال: ( إذا ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم ) [26]

وقد نهى كبار الصحابة رضي الله عنهم ، عن التجسس على الناس بهدف اكتشاف الجرائم غير الظاهرة، فقد " قيل لابن مسعود رضي الله عنه : "هل لك في الوليد بن عقبة إنه تقطر لحيته خمرا". قال: "قد نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نقم عليه" "

[27]

" وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، [ ص: 53 ] الله يحاسبه على سريرته" " [28]

وقد أكد الماوردي هـذا المعنى، ولم يستثن إلا حالة واحدة، عندما تكون جريمة وشيكة الوقوع، ولا يمكن تدارك نتائجها إذا ما وقعت، نحو القتل أو الزنا، وثبت الخبر عن وقوعها من العدول الثقاة، حيث يقول: وأما ما لم يظهر من المحظورات، فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن يهتك الأستار، حذرا من الاستتار بها. ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من أتى من هـذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى عليه ) . فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات دلت وآثار ظهرت، فذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقة، أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها، أو برجل ليقتله، فيجوز له في مثل هـذه الحالة أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك، من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات. والضرب الثاني: ما خرج عن هـذا الحد، وقصر عن حد هـذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه [29] .

ولذا فإنه بحسب اجتهاد الماوردي: إذا لم يكن هـناك جريمة على وشك الوقوع، أخبر عنها العدول الثقاة، ولا يمكن استدراكها، فلا يجوز التجسس بحال.

وبالتدقيق في ما ذكره الماوردي من جواز التجسس في الحالة السابقة، نجد أن ذلك لا يعد تجسسا في حقيقة الأمر، بل هـو من نوع التحقيق القضائي، بهدف عقاب مرتكب المنكر، أو من العمل على إزالة المنكر. [ ص: 54 ] والتحقيق القضائي لعقاب مرتكب المنكر، إذا ظهر وتحقق جائز شرعا، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتحقيق مع امرأة ادعى رجل أنه زنى بها، وأمر بالتحقيق في رجل مسلم قتل بين اليهود . والتحقيق القضائي لذلك، لا يعد من باب التجسس، حيث إنه ما دام المنكر قد ظهر، فإن التحقق من واقعه لا يعد تجسسا محرما، حيث إن التجسس المحرم، إنما يكون في غير المعلوم الظاهر، بهدف إظهاره والعلم به، وهو ما لا يجوز للدولة أو الأفراد فعله مطلقا، لعموم النص وإطلاقه، بتحريم التجسس بين المسلمين. وكذلك تغيير المنكر بعد ظهوره - سواء بالبينة الشرعية أو المشاهدة - يعد واجبا شرعا، حيث أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتغيير المنكر باليد واللسان عند القدرة، ولا ينطبق واقع ذلك على التجسس المتعلق بالكشف عما خفي ولم يعلم. ولهذا فإننا نخالف اجتهاد الماوردي ، بجواز التجسس في الحالة التي ذكرها؛ نظرا لأن قوله بالاستثناء يتنافى مع ما ذكر من تحريم التجسس من الدولة والأفراد في الشرع، ولم يذكر أي نصوص شرعية تخصص الحالة التي ذكرها، وتجيز التجسس لها، فضلا عن أن وصف الماوردي للحالة يبين أنها في حقيقتها من جنس إزالة المنكر وتغييره، بعد ظهوره وتحققه، أو من التحقيق القضائي لعقاب مرتكب المنكر، وهذان يختلف حكمهما عن حكم التجسس، نظرا لاختلاف واقع كل منهما عن واقع التجسس.

أضف إلى ذلك، أنه نظرا لما علم من الدين، وأجمع عليه المسلمون من حرمة التجسس مطلقا بين المسلمين، فإن الفقهاء يؤكدون على عدم جواز التجسس للبحث عن المنكرات غير الظاهرة المتحققة، حيث يؤكد الفقهاء: إنه إذا كان المنكر مستورا لا علم للمحتسب به.. لا يجوز للمحتسب أن يسعى للكشف عنه، حتى لا يرتكب التجسس المنهي عنه شرعا.. (وإذا كان) المنكر مستورا، ولكنه يستريب به، لا تكفي الاسترابة هـذه مبررا لسعي المحتسب للكشف عن المنكر، وفي أكثر الروايات عن الإمام أحمد [ ص: 55 ] أنه: ليس للمحتسب أن يتعرض لمرتكب المنكر، (وإذا كان) المنكر مستورا (وعلم به) ، ولم يتحققه لا يكفي مجرد العلم. للكشف عن المنكر

[30]

كما يذكر فقهاء المالكية أن النهي عن المنكر يشترط فيه "ظهور المنكر من غير تجسس، ولا استراق سمع، ولا استنشاق ريح، ولا بحث عما أخفي بيد أو ثوب أو حانوت، فإنه حرام"

[31]

فضلا عن ذلك أكد الفقهاء على أن قيام الدولة بالتجسس لكشف المنكر يفقد الدليل المستمد في الكشف عن المنكر مشروعيته، حيث يشترط لإضفاء المشروعية: ألا يكون الكشف عن المنكر وليد تجسس منهي عنه شرعا، ويتحقق هـذا التجسس، إذا ثبت أن المحتسب قد سعى إلى طلب الإمارات المعرفة بالمنكر، أو إلى طلب البينة الدالة عليه. وإن كل منكر لم تظهر إماراته، أو بينته، يعد منكرا مستورا، لا ينبغي للغير أن يكشف عنه، وإلا كان هـذا الكشف تجسسا محظورا [32] .

وبذلك يكون الأصل عدم جواز التجسس على الأفراد من قبل الدولة، لا لكشف المنكر، ولا لإزالته، أو عقاب مرتكبه، أو غير ذلك، لتحريم الشرع القطعي للتجسس مطلقا. كما تدل الأحاديث والآيات السابق ذكرها على أنه: [ ص: 56 ] لا يجوز التجسس على الناس، والنظر إلى عوراتهم، أو الاستماع إلى أسرارهم، سواء أكان ذلك من أحد الناس تطفلا، أم من المسئولين، ولأي سبب من الأسباب. كما أنه لا يجوز من جماعات الناس لخدمة جهة من الجهات

[33]

ومما يدل على أهمية المحافظة على خصوصيات الفرد في المجتمع الإسلامي، الأحاديث التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمؤكدة على حرمة التجسس، بالإطلاع على البيوت بغير إذن، وعلى جواز عقاب من يفعل ذلك عقابا ماديا رادعا، وكذلك ما ورد به الشرع من حرمة البيوت، ووجوب الاستئذان والاستئناس قبل دخولها.

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم ، على أنه إن تجسس أحد على جماعة ففقأوا عينه فلا دية له؛ ( فعن أبي هـريرة رضي الله عنه ، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : "لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح )

[34] . ( وعن أنس رضي الله عنه "أن رجلا اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام إليه بمشقص – أو مشاقص – وجعل يختله ليطعنه )

[35] .

( وعن سهل بن سعد الساعدي "أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك )

[36] .

وقد اتفق الشافعية والحنفية والحنابلة ، وبعض المالكية ، على هـدر عين من اطلع على بيوت الناس من ثقب الباب أو نحوه، ورأوا أن فقء عينه جائز، [ ص: 57 ] لدفع الضرر إن لم توجد وسيلة أخرى لتحقيق الغرض ذاته. في حين اشترط المالكية وبعض الحنفية الضمان على من يفعل ذلك، دون النهي عن القيام به

[37] .

وقد ورد في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل ما نصه: وفي "الإقناع" وغيره من كتب فقه مذهبنا: أن من نظر من خصاص الباب، أو من ثقب في جدار، أو من كوة ونحوه، إلا من باب مفتوح، فرماه صاحب الدار بحصاة أو نحوها، أو طعنه بعود فقلع عينه، فلا شيء عليه، ولو أمكن الدفع بدونه

[38] .

وقال ابن تيمية - رحمه الله -: ظن طائفة من العلماء أن (طعن عين الناظر) من باب دفع الصائل.. ولو كان الأمر كما قالوا لدفع بالأسهل فالأسهل، ولم يجز قلع عينه ابتداء.. والنصوص تخالف ذلك، فإنه أباح أن تخذفه حتى تفقأ عينه، قبل أمره بالانصراف. وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له على ذلك، حيث جنى هـذه الجناية على حرمة صاحب البيت، فله أن يفقأ عينه [39] .

كذلك جعل الشرع للبيوت حرمة، بأن نهى عن دخولها بغير إذن أهلها، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ) * ( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هـو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) [النور:27، 28]. [ ص: 58 ]

فقد أوجب تعالى بهذه الآية طلب الإذن قبل الدخول، وعبر عنه بأنه: "الاستئناس الظاهر الذي هـو ضد الاستيحاش؛ لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش.. فإذا أذن له استأنس.. ولما كان الاستئناس لازما للإذن، أطلق اللازم وأريد ملزومه، الذي هـو الإذن [40] .

ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله أيضا: اعلم أن هـذه الآية الكريمة، دلت بظاهرها على أن دخول الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز؛ لأن قوله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم، نهي صريح النهي المتحدد عن القرآن يفيد التحريم على الأصح. واعلم أن الاستئذان ثلاثة مرات، فإن لم يؤذن له عند الثالثة فليرجع؛ لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال البخاري في صحيحه: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا استأذن أحدكم ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع ) . وهذه الروايات الصحيحة تبين أن الاستئناس المذكور في الآية هـو الاستئذان المكرر ثلاثا. [41] .

وقال النووي في شرح مسلم: " أجمع العلماء أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة" [42] .

. وقال الشنقيطي أيضا: "إذا قال أهل المنزل للمستأذن ارجع، وجب عليه الرجوع؛ لقوله تعالى: ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هـو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) [النور:28]"

[43] .

. [ ص: 59 ] وقد روي أيضا أن رجلا جاء إلى سفيان الثوري بالبصرة ، وقال له: يا أبا عبد الله، إني أكون مع هـؤلاء المحتسبة، فندخل على هـؤلاء الخبيثين، ونتسلق على الحيطان. قال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى، ولكن ندخل عليهم لكيلا يفروا. فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وعاب فعالنا

[44] .

ويتبين مما سبق، حرمة دخول البيت بغير إذن. ولذلك فلا يجوز للدولة اقتحام البيوت، ولا تفتيشها أو دخولها، إلا بعد موافقة أهلها وإذنهم، حيث لم يستثن الله تعالى من طلب الإذن، وأمر بالرجوع عند عدمه، مما يجعل طلب ذلك أمرا مؤكدا ثابتا بالشرع.

وقد ذكر بعض الفقهاء، أنه يستثنى من عدم جواز دخول البيت الحالة التي تتطلب إزالة منكر ظاهر محقق وقوعه، ويفوت استدراكه، وذكروا أن ذلك مبني على ما ورد في سيرة عمر رضي الله عنه ، وما ذكره بعض الفقهاء، بأن ارتكاب المنكر من أهل البيوت وتظاهرهم به مدعاة لإزالة حرمة بيوتهم،إذا ما توفر شرطان لازمان: الأول منهما أن يثبت كون المنكر محقق الوقوع، بقول الثقاة العدول، أي بالبينة الشرعية، أو القرينة الجازمة. والثاني أن ينجم عن المنكر انتهاك حرمة أو مفسدة، يفوت استدراكها، نحو وقوع جريمة قتل أو زنى، ونحو ذلك، ففي هـذه الحالة فقط أجاز هـؤلاء الفقهاء دخول البيوت بغير إذن أهلها لإزالة المنكر، حيث يقول الإمام الغزالي : فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولو أخبره عدلان ابتداءا من غير استخبار، بأن فلانا يشرب الخمر في داره، أو أن في داره خمرا أعده للشرب، فله آن ذاك أن يدخل داره، ولا يلزم الاستئذان، [ ص: 60 ] ويكون تخطي ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر [45] .

كما يقول ابن الجوزي : لا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره، ليسمع صوت الأوتار، ولا يستخبر جيرانه ليخبروه بما جرى، بل لو أخبره عدلان ابتداء أن فلانا يشرب الخمر فله آنذاك أن يدخل ويكبها[46] .

ولنا أن النص الشرعي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، لم يجز لأحد دخول البيوت بغير إذن أهلها، ولم يستثن الشارع في ذلك، ولو كان دخول البيت بغير الإذن جائزا لدفع المنكر، أو لإثباته على مرتكبه، لبينه الشرع، ولم يرد في السيرة النبوية قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته إمام المسلمين باقتحام بيوت المنافقين، الذين علم تآمرهم على الدولة الإسلامية.

فضلا عن ذلك، فإن الثابت في سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، عدم جواز دخول البيوت لإثبات المنكر، حيث استشهد الماوردي على ذلك بقصة عمر رضي الله عنه ، والتي جاء فيها: " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، دخل على جماعة تشرب خمرا فقال: ألم أنهكم عن معاقرة الخمر؟ فقالوا له – وكان قد دخل عليهم بدون إذن وتجسس عليهم بدون إذن - : "قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت"، فتركهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه . " ويدل ذلك كما أكد الماوردي على أن: من سمع أصوات ملأ منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم، أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليهم بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف [ ص: 61 ] عما سواه من الباطن [47] .

أضف إلى ذلك أن الشارع - فيما يتعلق بالبيوت التي علم أن فيها منكرا - لم يأت بحكم الدخول إليها بغير إذن أهلها، وإنما أجاز إخراج أهل المنكر منها، دون دخول البيت. والدليل على ذلك ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، بهمه بحرق بيوت أقوام لتخلفهم عن الصلاة، حيث يدفع حرق البيوت أهلها إلى الخروج منها، ولم يرد عنه عليه الصلاة والسلام إجازة اقتحام بيوتهم، مع علمه بارتكابهم لهذا المنكر.

كما أفرد الإمام البخاري كتابا في صحيحه، تناول فيه إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة، واشترط في ذلك المعرفة، والتي تدل على وقوع المنكر وتحققه، واستشهد لذلك بما " روي أن عمر رضي الله عنه أخرج امرأة حين ناحت داخل بيتها " [48] .

ومما سبق يتبين أن دخول البيوت بغير إذن أهلها لا يجوز مطلقا، وأنه ليس للدولة التجسس على البيوت، ولا دخولها أو تفتيشها لإثبات التهمة، أو للتحقق عما خفي من الأسرار، أو لدفع المنكر.

ولا يعني ذلك أن الدولة تدع المنكر ساريا مع علمها بارتكابه داخل البيوت، وإنما تعمل على إيقافه عن طريق إخراج أهل المنكر من بيوتهم، دون الدخول بغير إذن، ولها في سبيل ذلك إن رفض أهل المنكر الخروج اللجوء إلى الوسائل المادية لإخراجهم، نحو قطع وسائل العيش عنهم من ماء وكهرباء، أو استخدام غازات مسيلة للدمع، أو إحراق إن اقتضى الأمر، لإجبار أهل المنكر على الخروج منه؛ وذلك لأن الشارع أكد تأكيدا جازما على حرمة البيت وعلى عدم دخوله إلا بإذن أهله، فحصول الإذن مقصود للشارع، ولذا ينبغي التقيد بذلك، من قبل الدولة والأفراد، فإن حصل الإذن، سواء مباشرة أو تحقق أن أهل البيت يرضونه، نحو حالة دفع الأذى [ ص: 62 ] والضرر عنه عند حصول الكوارث مثلا، فإنه يجوز للدولة عندئذ دخول البيوت، وأما إن لم يأذن أهل البيت فلا يجوز لها الدخول مطلقا.

بالإضافة إلى حرمة التجسس، وحرمة دخول البيت بغير إذن أهلها، أكدت الشريعة على حفظ حقوق الإنسان بتحريم الأذى والتعذيب للإنسان مطلقا، سواء لإثبات الجرم بالإكراه أو لأخذ الإقرار والاعتراف من المتهم، أو غير ذلك، حيث يخالف ذلك ما جاء به الشرع، من صيانة النفس والمال والعرض في دار الإسلام. قال تعالى: ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) [الأحزاب:58]. وقد جاء في فتح الباري ( قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : "...فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها.. ) [49]

والتعذيب مناف لإكرام الله تعالى للإنسان، الوارد بالنصوص الشرعية، كقوله عز وجل : ( ولقد كرمنا بني آدم ) [الإسراء:70]، ولذلك حرم الإسلام قتل المؤمن إلا بالحق، أو أن يكون خطأ كما قال تعالى: ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) [النساء:92]، لما في ذلك من إهدار للحياة الإنسانية.

وحرم الإسلام كذلك الاعتداء على المسلم، وإيذاءه بغير حق، وقرر عقوبة شرعية على كل من يعتدي على نفس المسلم، أو على جزء من بدنه. قال تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ) [المائدة:45].

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك عن تعذيب الناس في الدنيا بقوله: " ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) " [50] . [ ص: 63 ] وقد " ذكر أبو فراس الربيع بن زياد رحمه الله، قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال في خطبته: " إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه"، فقال عمرو بن العاص : لو أن رجلا أدب بعض رعيته، أتقص منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إلا أقصه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه" "

[51]

وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في النهي عن إيذاء المسلم بقوله: ( من جلد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان ) [52]

وحرم الإسلام كذلك ترويع المسلم وظلمه، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لمسلم أن يروع مسلما ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تروعوا المسلم، فإن روعة المسلم ظلم عظيم ) [53]

ولما كان التجسس والاعتداء على المسلمين بالحبس والإيذاء والتعذيب المادي والمعنوي يضاد الأخوة الإسلامية، فقد اعتبر من الظلم المحرم في الإسلام. وقد جاء ( عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ) [54]

وجاء في شرح ابن حجر العسقلاني ما ذكره: فإن ظلم المسلم للمسلم حرام. وقوله "ولا يسلمه" أي لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من قول الظلم، وقد يكون واجبا، وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال [55] [ ص: 64 ]

وقد حظر الإسلام أيضا تعذيب المسجونين، فقد جاء " عن عمر بن الخطاب قوله لولاته في الأمصار: "لا تدعن في سجونكم أحدا من المسلمين في وثاق، لا يستطيع أن يصلي قائما، ولا أحدا في قيد، إلا رجلا مطلوبا بدم، وأجروا عليهم من الصدقة ما يصلحهم في طعامهم وأدمهم" " [56]

وقد نهى الإسلام كذلك عن "الأخذ بإقرار الخائف، غير المعروف بالفجور"، ومن ذلك " قول عمر رضي الله عنه : "ليس الرجل بمأمون على نفسه: إن أجعته، أو أخفته، أو حبسته، أن يعترف على نفسه" " [57]

ومن ذلك يظهر جليا، أن الإسلام لا يجيز تعذيب المتهم، لكي يقر بما ارتكب، خلافا لما يراه بعض الفقهاء، وذلك لأن الإسلام لا يقر أصلا الإقرار والاعتراف الناجم عن الإكراه، لقوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"

[58]

كما أنه لم يرد دليل صحيح يبيح تعذيب المتهم، وقد بينا بالأدلة الشرعية تحريم التعذيب عموما، وتخصيص هـذه الأحاديث يحتاج إلى دليل شرعي يجيز ذلك بحق المتهم.

أما ما ذكره بعض الفقهاء من أدلة للاستشهاد بها على جواز تعذيب المتهم وعقوبته، أو إكراهه على الاعتراف، فإنها لا تصلح حجة في ذلك، ونستعرض فيما يلي هـذه الأدلة بهدف الرد عليها وإثبات عدم حجيتها في ما يتعلق بجواز تعذيب المتهم.

استشهد أولئك الفقهاء بقصة فتح خيبر ، وما ورد فيها، من أن الزبير عذب يهوديا متهما في تلك الغزوة، واستندوا على ذلك لتجويز تعذيب المتهم. [ ص: 65 ] والواقع أن هـذا الاستشهاد ليس صحيحا؛ وذلك لأن الرواية تدل على أن اليهودي قد أخفى حقا واجبا عليه إعادته، وثبت ذلك عليه، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعقابه، لكي يرد ما أخذه. حيث إن تفصيل الرواية كما جاءت في كتب السيرة هـي: ( لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، صالح أهل خيبر من يهود على حقن دمائهم، وقال لهم: برئت ذمة الله وذمة رسوله منكم إن كتمتموني شيئا. فصالحوه على ذلك. فقال رسول الله لكنانة بن الربيع: ما فعل مسك حيي؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العهد قريب، والمال كثير، أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك؟ قال: نعم. فجاء رجل من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إني رأيت كنانة يطوفون بهذه الخربة بكل غداة. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه، فأمر به الزبير فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده )

[59]

فهذه الرواية تبين أن التعذيب إنما كان لإخفاء اليهودي المال، بعد ثبوت وجوده عنده، بالشهادة والأدلة المادية المحسوسة، ولذلك ليس اليهودي متهما، وإنما مرتكب لجرم إخفاء أموال يجب إخراجها، ولذلك استحق العقوبة على فعله.

ولقد بينت الشريعة أن هـناك فرقا بين عدم أداء الحق الواجب، والذي يستحق من فعله العقوبة التعزيرية، وبين المتهم الذي لم يثبت عليه جرم. حتى يعذب للاعتراف. والإسلام رغم أنه لا يبيح بحال التعذيب للمتهم، أو غيره إلا أنه يقرر مع ذلك عقوبة من امتنع من أداء حق واجب عليه، مع قدرته على ذلك، كمن يمتنع عن قضاء دينه، أو النفقة على أهل بيته، أو أداء الزكاة مع القدرة، ونحو ذلك، وهذا هـو ما تدل عليه الرواية السابقة. [ ص: 66 ] كما استشهد الفقهاء المجيزون لتعذيب وعقوبة المتهم، بما ورد في حديث الإفك ، من أن عليا رضي الله عنه ، ضرب جارية الرسول صلى الله عليه وسلم لكي يحملها على الإخبار بما تعرفه عن عائشة رضي الله عنها ، والاستدلال بهذا الحديث، على جواز تعذيب المتهم ليس في محله، حيث إن الرواية الواردة في صحيح البخاري لم تذكر ضرب الجارية، كما أن الجارية لم تكن متهمة أصلا، بل كانت شاهدة، ولو صح الاستدلال لكان لجواز ضرب الشاهد وليس المتهم. وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل غيرها الشهادة، مثل زينب بنت جحش رضي الله عنها ، وغيرها، دون اللجوء إلى الضرب، وذلك يبين أن ضرب الجارية إن صحت الرواية ليس لعقاب الشاهد أو المتهم، وإنما هـو من باب التأديب للخادم، حيث أجاز الشرع للمسلم تأديب خادمه، إذا بدر منه ما يستوجب ذلك.

كما استدل الفقهاء بحديث المرأة، التي حملت رسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ، لتخبرهم بقرب غزو الرسول عليه الصلاة والسلام لمكة ، وما ورد من أن عليا رضي الله عنه ، هـددها بكشف سترها إن لم تخرج الرسالة، وظنوا أن في ذلك جواز تهديد المتهم، ولكن الاستدلال بهذه القصة باطل، حيث ثبت يقينا بخبر الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام ، بأن المرأة تحمل كتابا معها، فيكون التهديد لها لكونها أخفت أمرا لا يجوز إخفاؤه وامتنعت عن أداء ما ثبت قطعا وجوب أدائها له، ولذلك لم تكن المرأة في تلك القصة متهمة بجرم لم يثبت، وإنما كانت مرتكبة لجريمة ثابتة يقينا بخبر الوحي، فاستحقت لذلك العقوبة بالتهديد بكشف الستر.

زد على ذلك، أن الأدلة الشرعية، تؤكد عدم جواز عقاب المتهم لحمله على الاعتراف، حيث ( روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده وتركها )

[60] [ ص: 67 ]

" ويوضح ذلك أنه على الرغم من وجود التهمة للمرأة، لم يقم الرسول عليه الصلاة والسلام بعقابها لحملها على الاعتراف. وقد " جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ( ادرءوا الحدود بالشبهات، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة )

[61]

وإذا كان المتهم في جرائم الحدود - والتي تعد من أعظم الجرائم في نظر الشارع - لا يعاقب ولا يعذب دون بينة شرعية، ولا يكره على الاعتراف، فإن مادون الحدود أولى بعدم التعذيب والإكراه.

ولذلك لا يجوز التعذيب مطلقا، فحياة الإنسان مضمونة شرعا. فلا يجوز التعرض لها بقتل، أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء الظالم. سواء أكان الاعتداء على البدن كالضرب، أو السجن، أو الجلد.. ونحوه، أم الاعتداء على النفس والمشاعر، كالسب والشتم والازدراء والتخويف، والانتقاص، وظن السوء به، ونحو ذلك [62]

ومع التأكيد على ما سبق، فإنه ينبغي ملاحظة أنه لا يقصد بالتعذيب المحرم إيقاع التعذيب والأذى والألم، كعقوبة قضائية مقررة، على جرم ثابت شرعا في مجلس القضاء، وذلك نحو رجم الزاني المحصن وقتل القاتل وقطع يد السارق وخلافه، حيث حدد الشرع عقوبات على مخالفة أحكامه المتعلقة بالحدود والقصاص، ومنها قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) [البقرة:178]، ومنها قوله تعالى في عقوبة المحاربين المفسدين: ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من [ ص: 68 ] الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) [المائدة:33]، وقوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ) [المائدة:38]، وقوله تعالى في حد الزاني والزانية غير المحصنين: ( (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [النور:2].

ولذلك فالعذاب الواقع كعقوبة تعزيزية على جريمة ارتكبت أو كعقوبة شرعية على مخالفة أمر الله أو نهيه تعالى، جائز بالنص لما يترتب عليه ذلك من زجر المعتدين، وصيانة المجتمع، وتطهيره من الفساد، وهذا أمر تقره كافة التشريعات حتى الوضعية منها، مع تفاوتها في نوع العقوبة، حيث إن جميع العقوبات ينجم عنها ألم وأذى وعذاب للمجرم.

ومما سبق يظهر أن التعذيب محرم في جميع الأحوال، سواء للمتهم أو غيره وإن الواجب هـو التقيد بما جاء به الشرع، بإيقاع العقوبات الشرعية فقط وفي ذلك الصلاح والفلاح كله.

وبناء على ذلك فإنه يظهر جليا أن الشريعة قد راعت حقوق الإنسان، سوءا في الجوانب الإيجابية، بتأمين حقوقه الاجتماعية، والعيش الكريم له، ورعاية شئونه، كما صانت حقوقه الشخصية، بأن حرمت على الدولة التجسس على الرعية لاستكشاف ما خفي من أسرارهم، أو لمعرفة بواطنهم، كما منعت مطلقا التسلط على أفراد الرعية بالإيذاء أو التعذيب ما لم يكن ذلك لإيقاع عقوبة قضائية عن جرم ثبت شرعا تحريمه.

والواقع المشاهد أن التجسس في المجتمعات، وتسلط الدول على رعاياها بالإيذاء، أو التعذيب بغير حق، يمزق وحدة المجتمع، ويمنع الأتقياء وأهل الصلاح وأفراد المجتمع، من العمل على صيانته وحفظه، مما يهدم بنيانه ويسارع في عوامل الفناء، التي تنخر في كيانه، كما يترتب على ذلك في النهاية تدهور الدول، أو خضوعها لأعدائها أو محو آثارها بالكلية. ولذلك يؤكد ابن خلدون أن الحاكم: [ ص: 69 ] إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، فتخلقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد النيات، فتفسد الدولة ويخرب السياج [63]

ويقرر ابن خلدون أيضا، أن تعدي الدولة على الرعية يؤذن بخراب الدولة، حيث يقول: إن التعدي والظلم عائده الخراب في العمران، وعلى الدولة بالفساد والانتفاض، وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله، أو طالبه بغير حق، أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلم. وبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هـو مادتها وهذه هـي الحكمة المقصود للشارع في تحريم الظلم

[64] . [ ص: 70 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث