الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) عقد لبيان ما يوجبه العبد على نفسه بعدما ذكر ما أوجبه الله تعالى عليه ( قوله ومن نذر صوم يوم النحر أفطر وقضى ) ; لأنه نذر بصوم مشروع والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح نذره لكن يفطر احترازا عن المعصية المجاورة ثم يقضي إسقاطا للواجب وإن صام فيه يخرج عن العهدة ; لأنه أداه كما التزم . أشار بصوم يوم النحر إلى كل صوم كره تحريما وبالصوم إلى الاعتكاف فلو نذر اعتكاف يوم النحر صح ولزمه الفطر والقضاء فإن اعتكف فيه بالصوم صح كما في الولوالجية وأراد بقوله أفطر على وجه الوجوب خروجا عن المعصية وقوله في النهاية الأفضل الفطر تساهل أطلق فشمل ما إذا قال لله علي صوم غد فوافق يوم النحر أو صرح فقال لله علي صوم يوم النحر وهو ظاهر الرواية لا فرق بين أن يصرح بذكر المنهي عنه أو لا في الكشف وغيره واعلم بأنهم صرحوا بأن شرط لزوم النذر ثلاثة كون المنذور ليس بمعصية وكونه من جنسه واجب وكون الواجب مقصودا لنفسه قالوا فخرج بالأول النذر بالمعصية والثاني نحو عيادة المريض والثالث ما كان مقصودا لغيره حتى لو نذر الوضوء لكل صلاة لم يلزم وكذا لو نذر سجدة التلاوة وفي الواقعات ولو نذر تكفين ميت لم يلزم ; لأنه ليس بقربة مقصودة كالوضوء مع تصريحهم هنا بصحة النذر بيوم [ ص: 317 ] النحر ولزومه فعلم أنهم أرادوا باشتراط كونه ليس بمعصية كون المعصية باعتبار نفسه حتى لا ينفك شيء من أفراد الجنس عنها وحينئذ لا يلزم لكنه ينعقد للكفارة حيث تعذر عليه الفعل ولهذا قالوا لو أضاف النذر إلى سائر المعاصي كقوله لله علي أن أقتل فلانا كان يمينا ولزمته الكفارة بالحنث فلو فعل نفس المنذور عصى وانحل النذر كالحلف بالمعصية ينعقد للكفارة فلو فعل المعصية المحلوف عليها سقطت وأثم بخلاف ما إذا كان نذرا بطاعة كالحج والصلاة والصدقة فإن اليمين لا تلزم بنفس النذر إلا بالنية وهو الظاهر عن أبي حنيفة وبه يفتى وصرح في النهاية بأن النذر لا يصح إلا بشروط ثلاثة في الأصل إلا إذا قام الدليل على خلافه إحداها أن يكون الواجب من جنسه شرعا والثاني أن يكون مقصودا لا وسيلة والثالث أن لا يكون واجبا عليه في الحال أو في ثاني الحال فلذا لا يصح النذر بصلاة الظهر وغيرها من المفروضات لانعدام الشرط الثالث . ا هـ .

فعلى هذا فالشرائط أربعة إلا أن يقال إن النذر بصلاة الظهر ونحوها خرج بالشرط الأول إذ قولهم من جنسه واجب يفيد أن المنذور غير الواجب من جنسه وهاهنا عينه ولكن لا بد من رابع وهو أن لا يكون مستحيل الكون فلو نذر صوم أمس أو اعتكاف شهر مضى لم يصح نذره كما في الولوالجية وقيد بقوله إلا إذا قام الدليل على خلافه ; لأنه لو قام الدليل على الوجوب من غير الشروط المذكورة يجب كالنذر بالحج ماشيا والاعتكاف وإعتاق الرقبة مع أن الحج بصفة المشي غير واجب وكذا الاعتكاف وكذا نفس الإعتاق من غير مباشرة سبب موجب للإعتاق كذا في النهاية وفيه نظر ; لأن النذر بالحج ماشيا من جنسه واجب ; لأن أهل مكة ومن حولها لا يشترط في حقهم الراحلة بل يجب المشي على كل من قدر منهم على المشي كما صرح به في التبيين في آخر الحج وأما الاعتكاف وهو اللبث في مكان من جنسه واجب وهو القعدة الأخيرة في الصلاة وأما الإعتاق فلا شك أن من جنسه واجبا وهو الإعتاق في الكفارة وأما كونه من غير سبب فليس بمراد

التالي السابق


( فصل في النذر ) [ ص: 317 ] ( قوله : وهو القعدة الأخيرة في الصلاة ) قال في المعراج في باب الاعتكاف قلنا بل من جنسه واجب لله تعالى وهو اللبث بعرفة يوم عرفة وهو الوقوف أو النذر بالمشي إنما يصح إذا كان من جنسه واجب لله تعالى أو مشتمل على الواجب وهذا كذلك ; لأن الاعتكاف يشتمل على الصوم ومن جنس الصوم واجب فيكون النذر به مشتملا على اللبث والصوم ومن جنس الصوم واجب وإن لم يكن من جنس اللبث واجب فيصح النذر ثم ذكر عن جامع فخر الإسلام النذر بالاعتكاف صحيح وإن كان ليس لله تعالى من جنسه إيجاب ; لأن الاعتكاف إنما شرع لدوام الصلاة ; ولذلك صار قربة فصار التزامه بمنزلة الصلاة والصلاة عبادة مقصودة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث