الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الثامن عشر معرفة غريب القرآن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 388 ] النوع الثامن عشر

معرفة غريبه

وهو معرفة المدلول ; وقد صنف فيه جماعة ; منهم : أبو عبيدة " كتاب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [ ص: 389 ] [ ص: 390 ] [ ص: 391 ] [ ص: 392 ] [ ص: 393 ] المجاز " ، وأبو عمر غلام ثعلب " ياقوتة الصراط " ، ومن أشهرها كتاب ابن عزيز ، و " الغريبين " للهروي ، ومن أحسنها كتاب " المفردات " للراغب .

[ ص: 394 ] وهو يتصيد المعاني من السياق ; لأن مدلولات الألفاظ خاصة . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : " وحيث رأيت في كتب التفسير : " قال أهل المعاني " ، فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن ; كالزجاج ومن قبله ، وفي بعض كلام الواحدي أكثر أهل المعاني : الفراء والزجاج وابن الأنباري ، قالوا : كذا " . انتهى .

ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة : اسما وفعلا وحرفا ; فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها ; فيؤخذ ذلك من كتبهم .

وأما الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة ، وأكثر الموضوعات في علم اللغة كتاب ابن سيد ، فإن الحافظ أبا محمد علي بن أحمد الفارسي ذكر أنه في مائة سفر ; بدأ بالفلك وختم بالذرة . ومن الكتب المطولة كتاب الأزهري ، و " الموعب " لابن التياني [ ص: 395 ] و " المحكم " لابن سيده ، وكتاب " الجامع " للقزاز ، و " الصحاح " للجوهري ، و " البارع " لأبي علي القالي ، و " مجمع البحرين " للصاغاني .

ومن الموضوعات في الأفعال كتاب ابن القوطية ، وكتاب ابن طريف ، وكتاب [ ص: 396 ] السرقسطي المنبوز بالحمار ، ومن أجمعها كتاب ابن القطاع .

ومعرفة هذا الفن للمفسر ضروري ، وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى .

قال يحيى بن نضلة المديني : سمعت مالك بن أنس يقول : " لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب ; إلا جعلته نكالا " .

وقال مجاهد : لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب .

وروى عكرمة عن ابن عباس قال : إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر ; فإن الشعر ديوان العرب .

وعنه في قوله تعالى : والليل وما وسق ( الانشقاق : 17 ) قال : " ما جمع " ، وأنشد :


إن لنا قلائصا حقائقا مستوسقات لو يجدن سائقا

وقال : ما كنت أدري ما قوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ( الأعراف : 89 ) حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول : أفاتحك ، يعني [ ص: 397 ] أقاضيك ، وفي سورة " السجدة " : متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ( الآية : 28 ) يعني متى هذا القضاء ؟ وقوله : وهو الفتاح العليم ( سبأ : 26 ) ، وقوله : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( الفتح : 1 ) أي : قضاء مبينا .

وقال أيضا : ما كنت أدري ما " فاطر السماوات والأرض " حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، يعني ابتدأتها .

وجاءه رجل من هذيل ، فقال له ابن عباس : ما فعل فلان ؟ قال : مات ، وترك أربعة من الولد ، وثلاثة من الوراء . فقال ابن عباس : فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( هود : 71 ) قال : ولد الولد .

ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن ، واستشهاد ابن عباس في كل جواب بيت ، ذكرها [ ابن ] الأنباري في كتاب " الوقف والابتداء " بإسناده ، وقال : فيه دلالة على بطلان قول من أنكر على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر ، وأنهم جعلوا الشعر أصلا للقرآن ، وليس كذلك ، وإنما أراد النحويون أن يثبتوا الحرف الغريب من القرآن بالشعر ; لأن الله تعالى قال : إنا أنزلناه قرآنا عربيا ( يوسف : 2 ) ، وقال تعالى : بلسان عربي مبين ( الشعراء : 195 ) .

وقال ابن عباس : " الشعر ديوان العرب ; فإذا خفي عليهم الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغتهم رجعوا إلى ديوانهم فالتمسوا معرفة ذلك " .

ثم إن كان ما تضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه الاستشهاد بالبيت والبيتين ، وإن كان ما يوجب العلم لم يكف ذلك ، بل لا بد من أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر .

[ ص: 398 ] وينبغي العناية بتدبر الألفاظ كي لا يقع الخطأ ، كما وقع لجماعة من الكبار ، فروى الخطابي عن أبي العالية أنه سئل عن معنى قوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون ( الماعون : 5 ) فقال : هو الذي ينصرف عن صلاته ولا يدري عن شفع أو وتر . قال الحسن : مه يا أبا العالية ، ليس هكذا ; بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم ، ألا ترى قوله : عن صلاتهم ؟ ! فلما لم يتدبر أبو العالية حرف " في " و " عن " تنبه له الحسن ، إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال : " في صلاتهم " ، فلما قال : " عن صلاتهم " دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت ، ولذلك قال ابن قتيبة في قوله تعالى : ومن يعش عن ذكر الرحمن ( الزخرف : 36 ) أنه من عشوت أعشو عشوا : إذا نظرت ، وغلطوه في ذلك ، وإنما معناه يعرض ، وإنما غلط ; لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشيء ، وعشوت عنه .

وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ( القصص : 10 ) قال : فارغا من الحزن ; لعلمها أنه لم يغرق ، ومنه : " دم فراغ " ، أي : لا قود فيه ولا دية .

وقال بعض الأدباء : أخطأ أبو عبيدة في المعنى ; لو كان قلبها فارغا من الحزن عليه لما قال تعالى : لولا أن ربطنا على قلبها ( القصص : 10 ) ; لأنها كادت تبدي به .

وهذا الباب عظيم الخطر ; ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا القول فيه ; حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد ، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين ، وكان الأصمعي - وهو إمام اللغة - لا يفسر شيئا من غريب القرآن ، وحكي عنه أنه سئل عن قوله [ ص: 399 ] تعالى : شغفها حبا ( يوسف : 30 ) فسكت وقال : هذا في القرآن ، ثم ذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها : أتبيعونها وهي لكم شغاف ؟ ولم يزد على هذا . ولهذا حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعلم إعراب القرآن ، وطلب معاني الغريب منه .

واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلام الله ، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها ، فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر ، وهذا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - من أفصح قريش ، سئل أبو بكر عن " الأب " ( عبس : 31 ) فقال أبو بكر : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم ؟

وقرأ عمر سورة " عبس " ، فلما بلغ الأب قال : الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم قال : لعمرك يا ابن الخطاب ، إن هذا لهو التكلف . وروي عنه أيضا أنه قال : آمنا به كل من عند ربنا ( آل عمران : 7 ) ، وفي رواية قال : فما الأب ؟ ثم قال : ما كلفنا ، أو ما أمرنا بهذا .

وما ذاك بجهل منهما لمعنى " الأب " ، وإنما يحتمل - والله أعلم - أن " الأب " من الألفاظ المشتركة في لغتهما ، أو في لغات ، فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه أن يكون المراد غيره ، ولهذا اختلف المفسرون في معنى الأب على سبعة أقوال : فقيل : ما ترعاه البهائم ، وأما ما يأكله الآدمي فالحصيد ، والثاني : التبن خاصة ، والثالث : كل ما نبت على وجه الأرض ، والرابع : ما سوى الفاكهة ، والخامس : الثمار الرطبة ، وفيه بعد ; لأن الفاكهة تدخل في [ ص: 400 ] الثمار الرطبة ، ولا يقال : أفردت للتفصيل ; إذ لو أريد ذلك لتأخر ذكرها نحو : فاكهة ونخل ورمان ( الرحمن : 68 ) ، والسادس أن رطب الثمار هو الفاكهة ، ويابسها هو الأب ، والسابع : أنه للأنعام كالفاكهة للناس .

ويحتمل قول عمر غير ما سبق وجهين :

أحدهما : أن يكون خفي عليه معناه وإن شهر ، كما خفي على ابن عباس معنى " فاطر السماوات " .

والثاني : أراد تخويف غيره من التعرض للتفسير بما لا يعلم ، كما كان يقول : أقلوا الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شريككم . يريد الاحتراز ، فإن من احترز قلت روايته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث