الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 456 ] حجية الإجماع السكوتي ثم قد يكون القول من الجميع ، ولا شك ، وقد يكون من بعضهم وسكوت الباقين بعد انتشاره من غير أن يظهر معهم اعتراف أو رضا به ، وهذا هو الإجماع السكوتي ، وفيه ثلاثة عشر مذهبا : أحدها : أنه ليس بإجماع ولا حجة ، وحكي عن داود وابنه ، وإليه ذهب الشريف المرتضى ، وصححه صاحب المصادر " ، وعزاه جماعة إلى الشافعي ، منهم القاضي ، واختاره . وقال : إنه آخر أقواله ، ولهذا قال الغزالي في المنخول " ، والإمام الرازي ، والآمدي : إن الشافعي نص عليه في الجديد . وقال إمام الحرمين : إنه ظاهر مذهبه ، ولهذا قال : ولا ينسب إلى ساكت قول . قال : وهي من عباراته الرشيقة . قلت : ومعناه لا ينسب إلى ساكت تعيين قول ; لأن السكوت يحتمل التصويب ، أو لتسويغ الاجتهاد أو الشك ، فلا ينسب إليه تعيين ، وإلا [ ص: 457 ] فهو قائل بأحد هذه الجهات قطعا ، ثم هذا باعتبار الأصل ، أعني أن لا ينسب إلى ساكت قول إلا بدليل على أن سكوته كالقول أو حقيقة ; لأن السكوت عدم محض ، والأحكام لا تستفاد من العدم ، ولهذا لو أتلف إنسان مال غيره وهو ساكت ، يضمن المتلف . أما إذا قام الدليل على نسبة القول إلى الساكت عمل به ، لقوله صلى الله عليه وسلم في البكر : { إذنها صماتها } وقولنا : إن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على قول أو فعل مع علمه به وقدرته على إنكاره حجة ، وسكوت أحد المتناظرين عن الجواب لا يعد انقطاعا في التحقيق إلا بإقراره أو قرينة حالية ظاهرة ، وإلا فمجرد السكوت لا يدل على الانقطاع ، لتردده بين استحضار الدليل ، وترفعه عن الخصم ; لظهور بلادته ، أو تعظيمه ، أو إجلاله عن انقطاعه معه . والثاني : أنه إجماع وحجة . قال الباجي : وهو قول أكثر أصحابنا المالكيين ، والقاضي أبي الطيب ، وشيخنا أبي إسحاق ، وأكثر أصحاب الشافعي . انتهى .

وقال ابن برهان : وإليه ذهب كافة العلماء منهم الكرخي . ونص ابن السمعاني ، والدبوسي في التقويم " ، وقال عبد الوهاب : هو الذي يقتضيه مذهب أصحابنا . وحكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني عن الشافعي ، فإنه لما حكى القولين المتعاكسين في التفصيل بين الفتوى والحكم ، قال : وعلة كل واحد منهما يوجب أن لا يكون كل واحد منهما إجماعا ، وهذا مفسر بقول [ ص: 458 ] الشافعي : إن قول الواحد إذا انتشر فإجماع ، ولا يجوز مخالفته ، هذا كلامه . وقال النووي في شرح الوسيط " : لا تغترن بإطلاق المتساهل القائل بأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند الشافعي ، بل الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة ، وإجماع . وهو موجود في كتب أصحابنا العراقيين في الأصول ، ومقدمات كتبهم المبسوطة في الفروع ، كتعليقة " الشيخ أبي حامد ، والحاوي " ، ومجموع المحاملي " . والشامل " وغيرهم . انتهى .

ويشهد له أن الشافعي رحمه الله تعالى احتج في كتاب الرسالة " لإثبات العمل بخبر الواحد وبالقياس أن بعض الصحابة عمل به ، ولم يظهر من الباقين إنكار لذلك ، فكان ذلك إجماعا ، إذ لا يمكن أن ينقل ذلك نصا عن جميعهم ، بحيث لا يشذ منهم أحد ، وإنما نقل عن جمع مع الاشتهار بسكوت الباقين لكنه صرح في موضع آخر من الأم " بخلافه ، فقال : وقد ذكر أن أبا بكر قسم فسوى بين الحر والعبد ، ولم يفضل بين أحد بسابقة ولا نسب ، ثم قسم عمر ، فألغى العبد ، وفضل بالنسب والسابقة ، ثم قسم علي فألغى العبيد ، وسوى بين الناس ، ولم يمنع أحد من أخذ ما أعطوه . قال : وفيه دلالة على أنهم مسلمون لحاكمهم ، وإن كان رأيهم على خلاف رأيه . قال : فلا يقال لشيء من هذا إجماع ، ولكن ينسب إلى أبي بكر فعله ، وإلى عمر فعله ، وإلى علي فعله ، ولا يقال لغيرهم ممن أخذ [ ص: 459 ] منهم موافقة ولا اختلاف ، ولا ينسب إلى ساكت قول ولا عمل ، وإنما ينسب إلى كل قوله وعمله .

وفي هذا ما يدل على أن ادعاء الإجماع في كثير من خاص الأحكام ليس كما يقول من يدعيه . ا هـ وحينئذ فيحتمل أن يكون له في المسألة قولان ، كما حكاه ابن الحاجب وغيره . ويحتمل أن ينزل القولان على حالين ، فقول النفي على ما إذا صدر من حاكم ، وقول الإثبات على ما إذا صدر من غيره ، والنص الذي سقناه من الرسالة " شاهد لذلك ، وهو يؤيد تفصيل أبي إسحاق المروزي الآتي . وذكر بعض المتأخرين في تنزيل القولين طريقين : أحدهما : حيث أثبت القول بأنه إجماع ، أراد بذلك عصر الصحابة ، كما استدل به لخبر الواحد والقياس ، وحيث قال : لا ينسب لساكت قول أراد بذلك من بعدهم .

وهذا أولى من أن يجعل له في المسألة قولان متناقضان ، كما ظن الإمام فخر الدين في المعالم " ، ويشهد لهذا ما سيأتي من كلام جماعة تخصيص المسألة بعصر الصحابة . والثاني : أن يحمل نفيه على ما لم يكن من القضايا التي تعم بها البلوى ، ويحمل القول الآخر على ما إذا كانت كذلك ، كما اختاره الإمام الرازي ; لأن العمل بخبر الواحد وبالقياس مما يتكرر ، وتعم به البلوى . وكل من هذين الطريقين محتمل . وقد ذكر ابن التلمساني الثاني منهما . قلت : النص الذي سقناه من الأم يدفع كلا من الطريقين ، فإنه نفاه [ ص: 460 ] في عصر الصحابة ، وفيما تعم به البلوى ، ويحتمل ثالثة : وهي التعميم .

وقال ابن القطان : هو في معنى الإجماع ، وإن كنا نسميه إجماعا ، فهو من طريق الاستدلال ، ولا يعارض هذا قول الشافعي : من نسب إلى ساكت قولا فقد أخطأ ، فإنا لم نقل : إنهم قالوا : وإنما نستدل به على رضاهم ; لأن الله وصف أمتنا بأنهم آمرون بالمعروف ، ناهون عن المنكر ، ولو كان هذا القول خطأ ، ولم ينكره ، لزم وقوع خلاف الخبر . وقال الرافعي في الشرح " : المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتي حجة . وهل هو إجماع ؟ فيه وجهان ولم يرجح شيئا . والراجح أنه إجماع . فقد قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع " إنه المذهب . وقال الروياني في أوائل البحر " : إنه حجة مقطوع بها . وهل يكون إجماعا ؟ فيه قولان . وقيل : وجهان . أحدهما : - وبه قال الأكثرون - إنه يكون إجماعا ; لأنهم لا يسكتون على المنكر . والثاني : المنع ; لأن الشافعي - رحمه الله - قال : لا ينسب إلى ساكت قول . قال : وهذا الخلاف راجع إلى الاسم ; لأنه لا خلاف أنه حجة يجب اتباعه ، ويحرم مخالفته قطعا . وقال الخوارزمي في الكافي " : إذا لم ينقل عنهم رضا ولا إنكار وانقرض العصر ، فذهب بعض إلى أن قوله ليس بإجماع ولا حجة . وقال عامة أصحابنا : حجة ; لأن سكوتهم حتى انقرضوا مع إضمارهم الإنكار بعيد . وهل يكون إجماعا ؟ فيه وجهان . ونحوه قول الأستاذ أبي إسحاق : اختلف أصحابنا في تسميته إجماعا ، مع اتفاقهم على وجوب العمل به ، والقطع به على الله تعالى .

[ ص: 461 ] وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في أول تعليقه في الفقه " : هو حجة مقطوع بها وفي تسميته إجماعا وجهان . أحدهما : المنع وإنما هو حجة كالخبر . والثاني : يسمى إجماعا ، وهو قول لنا . ا هـ . قال ابن الرفعة في المطلب " : الذي صرح به الفرعيون من أصحابنا في أوائل كتبهم أنه حجة . وقال الرافعي : المشهور أنه حجة ، وهل هو إجماع أم لا ؟ فيه وجهان . الثالث : أنه حجة ، وليس بإجماع . وحكاه أبو الحسين في المعتمد " عن أبي هاشم . وهو أحد الوجهين عندنا كما سبق من كلام الرافعي وغيره . ونقله الشيخ في اللمع " ، وابن برهان عن الصيرفي ، وكذا رأيته في كتابه فقال : هو حجة لا يجوز الخروج عنه ، ولا يجوز أن يقال : إنه إجماع مطلقا ; لأن الإجماع ما علمنا فيه موافقة الجماعة قرنا بعد قرن .

وإنما قيل بهذا القول ; لأن الخلاف معدوم ، والقول في أهل الحجة شائع . انتهى . وكذا قال في شرح الرسالة " : عمل الصحابي منتشر في الصحابة لا ينكره منكر حتى انقرض العصر ، فهو حجة لا يجوز خلافه ، لا من جهة الاتفاق ، ولكن لعدم الخلاف من أهل الحجة . واختاره الآمدي ، ووافقه ابن الحاجب في الكبير " . وردد في الصغير " اختياره بين أن يكون إجماعا أو حجة . وقيد الآمدي هذا في موضع آخر بما قبل انقراض أهل العصر ، فأما بعده ، فإنه يكون إجماعا . [ ص: 462 ] وذكر الشيخ أبو حامد الإسفراييني ، والقاضي أبو الطيب : أن معتمد القائلين بهذا من أصحابنا قول الشافعي : لا ينسب إلى ساكت قول ، وليعلم أن المراد بالخلاف هنا وأنه ليس بإجماع ، أي قطعي ، وبذلك صرح ابن برهان عن الصيرفي ، وكذا ابن الحاجب ، وإلا فمعلوم أن الإجماع حجة ، فكيف ينقسم الشيء إلى نفسه وقد سبق في أول الباب حكاية خلاف في أن لفظ الإجماع هل يطلق على القطعي والظني ، أو يختص بالقطعي ؟ والقائلون بأن السكوتي حجة مثيرة للظن اختلفوا في أنه قطعي أم ظني ؟ فقال الأستاذ أبو إسحاق ، وأبو منصور البغدادي ، والبندنيجي : إنه مقطوع به ، أي أن حكم الله تعالى ما ظنناه ، لا القطع بحصول الإجماع ، وقال آخرون : بل ظني . تنبيه [ لم يقل أحد إنه إجماع لا حجة ] قال الهندي : لم يصر أحد إلى عكس هذا ، أعني إلى أنه إجماع ، لا حجة ويمكن القول به ، كالإجماع المروي بالآحاد عند من لم يقل بحجيته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث