الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة الثالثة : قوله : { والذين يكنزون الذهب والفضة } : الكنز في اللغة هو المال المجموع ، كان فوق الأرض أو تحتها ، يقال : كنزه يكنزه إذا جمعه ، فأما في الشرع ، وهي : المسألة الرابعة : فنحن لا نقول : إن الشرع غير اللغة ، وإنما نقول : إنه تصرف فيها تصرفها في نفسها بتخصيص بعض مسمياتها ، وقصر بعض متناولاتها للأسماء ، كالقارورة والدابة في بعض العقار والدواب . وقد اختلف فيه على سبعة أقوال :

الأول : أنه المجموع من المال على كل حال .

الثاني : أنه المجموع من النقدين .

الثالث : أنه المجموع منهما ما لم يكن حليا .

الرابع : أنه المجموع منهما دفينا . [ ص: 487 ]

الخامس : أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته .

السادس : أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق .

السابع : أنه المجموع منهما ما لم ينفق ويهلك في ذات الله .

وجه القول الأول ما روى ابن هرمز عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط منها حقها ، تطؤه بأظلافها . وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط منها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها . قال : ومن حقها أن تحلب على الماء ، وليأتين أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار ، فيقول : يا محمد . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد بلغت . ويأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول : يا محمد . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد بلغت } .

وفي رواية : حتى ذكر الإبل فقال : { وحقها إطراق فحلها ، وإفقار ظهرها ، وحلبها يوم وردها } .

وهذا محتمل لكل جامع في كل موطن بكل حال .

ووجه القول الثاني : أن الكنز إنما يستعمل لغة في النقدين ، وإنما يعرف [ تحريم ] ضبط غيره بالقياس عليه .

ووجه القول الثالث : أن الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه ، ويأتي بيانه إن شاء الله .

ووجه القول الرابع وهو الدفين ما روى مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { في الإبل صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي التمر صدقته ، و من دفن دينارا أو درهما أو تبرا أو فضة لا يدفعها بعدها لغريم ، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة } .

ووجه القول الخامس ما روى البخاري وغيره عن ابن عمر أن أعرابيا قال له : [ ص: 488 ] أخبرني عن قول الله : { والذين يكنزون الذهب والفضة } . قال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال .

ووجه القول السادس قوله في حديثها : { ومن حقها حلبها يوم وردها ، وإطراق فحلها } .

ووجه القول السابع أن الحقوق أكثر من الأموال ، والمساكين لا تستقل بهم الزكاة ، وربما حبست عنهم ، فكنز المال دون ذلك ذنب .

المسألة الخامسة : اختلفت الصحابة في المراد بهذه الآية ; فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب .

وخالفه أبو ذر وغيره ، فقال : المراد بها أهل الكتاب والمسلمون روى البخاري وغيره ، عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة ، فإذا أنا بأبي ذر ، فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب . فقلت : نزلت فينا وفيهم ، وكان بيني وبينه [ ريبة ] في ذلك . فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة . فقدمتها ، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذلك لعثمان . وفي رواية قال : حتى آذوني . فقال لي عثمان : إن شئت تنحيت فكنت قريبا ، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت .

وهذا يدل على أن الكفار عند الصحابة يخاطبون بفروع الشريعة .

وذهب عمر إلى أنها منسوخة ; نسختها : { خذ من أموالهم صدقة } ; قال عراك بن مالك : ولا شك في أنها منسوخة .

[ ص: 489 ] المسألة السادسة : في تنقيح الأقوال ، وجلاء الحق : وذلك ينحصر في ثلاثة مدارك : المدرك الأول : أن الكل من فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه ليس في المال حق سوى الزكاة ، وقد بيناه .

وإذا لم يكن في المال حق سواها وقضيت بقي المال مطهرا ، كما قال عمر .

المدرك الثاني : أن الآية عامة في أهل الكتاب وغيرهم ، وقد أكد الله ذلك بقوله : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } .

المدرك الثالث : تخليص الحق من هذين الأصلين ، فنقول : أما الكنز فهو مال مجموع ، لكن ليس كل مال دين لله تعالى فيه حق ، ولا حق لله سوى الزكاة ; فإخراجها يخرج المال عن وصف الكنزية ، ثم إن الكنز لا يكون إلا في الدنانير والدراهم أو تبرها ، وهذا معلوم لغة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث